18 شباط/فبراير 2018
RSS Facebook Twitter youtube 16
Super User

Super User

الإثنين, 25 شباط/فبراير 2013 12:20

القُرْآن الكَريمُ و خِطابُه المُتجدِّد

القُرْآن الكَريمُ و خِطابُه المُتجدِّد

في إطارِ تأطيرِ الدّورة التّدريبيّة الجامعيّة التي يُنظِّمها

"المعهد العالَميّ للفكر الإسلاميّ" و "المَركز المغربي

للدّراسات و الأبحاث التّربويّة الإسلاميّة" بالمدرسة

العليا للأساتذة بتطوان

***

المِحْوَر الرّابِع : القُرآنُ الكَريمُ و مَناهِجُ النَّقْدِ الحَديث

د. عبد الرحمان بودرع

كلية الآداب، جامعة عبد المالك السعدي

تطوان-المغرب

***

1- تطوّر حركة التّفسير :

إنّ ثراءَ العبارة القرآنية و اتّساعَ آفاق النّصّ القرآنيّ لممّا يفتح الباب أمام تعدّد مناهج التّفسير ونقد النّصوص و أدوات بيان الإعجاز .

و لقد تأثرت حركة التّفسير في العصر الحديث بالتطور الاجتماعي و العلمي في أثناء معاينتها للنص القرآني المتجدد ، بل إنّ النّصّ القرآني قد أغنى مناهج النّقد والتّفسير بارتياد آفاق جديدة في الفكر الإنساني ، و هذه الآفاق هي في معظمها من إيحاء النص لا من إملاء المفسِّر .

لقد مر تفسير النص القرآني عبر تاريخ التفسير بمراحل متميزة[1] : أولها البيان العملي لمعاني الآيات وما يعتمد عليه هذا البيان من إيضاح لغوي أو اعتماد على نصوص الحديث و أقوال الصحابة، وثانيها التأويل النظري الذي كان يُعنى في التّفسير بالفكرة العامّة و المعنى الكلّيّ في الآية أو الآيات، مثل الذي نجده في كتب إعجاز القرآن للباقلاّني و الرّمّاني و غيرهما ، و ثالثها مرحلة التّلخيص والتّعليق و التَّكرار و الخُروج عن خُطّة التّفسير بالخلط بين الصّحيح و العليل من الروايات ، كما فعل الخازن في تفسير بعض السور[2] ، أو بالجمع عن السّلف كما فعل السّيوطي في كتابه "الدر المنثور في التفسير بالمأثور" ، و كذلك البيضاوي و النّسفي .

أمّا حركة التّفسير في العصر الحديث فلا يمكن الحديث عنها من دون ذِكر كتابٍ بارز صنّفه جولد تزيهر في "مذاهب التّفسير الإسلامي" تحدث فيه عن التفسير في ضوء التّمدّن الإسلامي، والقضية الكبرى التي عالجها الكتاب هي بيان مدى نجاح المذاهب الدّينيّة في تفسيرها المذهبي و اتّخاذِ النّصّ القرآنيّ سندا على موافقة مبادئها للإسلام، وهي قضية لا تُبِين عن مناهج المفسرين بقدر ما تكشف عن موقف الفرق الإسلامية من النص القرآني، و لكن المؤلّف حاول أن يستنتج أن النّصّ القرآني أخذ من المفسرين أكثر ممّا أعطاهم لأن كلّ تيار حاول جذبَ النّصّ إلى جهته حتّى يوافقَ مبادئَه .

و يظهر أن منهج جولد تزيهر غلب عليه الاتّجاه المذهبي ؛ لأنه كان مَعْنيّاً بقضية المذاهب والفرق و مواقفها إزاء النّصّ القرآنيّ .

و قد تولّى الرّدَّ على جولد تزيهر كثير من الدّارسين الذين بيّنوا أنّ أنّ الصورةَ التي قدّمها هذا المستشرق عن تاريخ التفسير ليست الصورة المثلى بل كانت صورةً شائهةً تهبط بأغلب المناهج المأثورة إلى مستوى التّعصّب المذهبي الممقوت[3] .

ثمّ يأتي بَعد كِتابِ "جولد تزيهر" كتابُ "التّفسير و المُفسِّرون"[4] للأستاذ محمّد حسين الذّهبي، الذي استعرض التّراثَ التّفسيري بمذاهبِه و مناهجِه و طرُقه في التّأليف، ووَصَل إلى الكلام عن ألوان التّفسير في العصر الحديث كاللّون العلميّ و اللّون المذهبيّ واللّون الإلحاديّ و اللّون الأدبيّ والاجتماعيّ ...

قد يُقال : يكادُ يستحيلُ أن نكتبَ تاريخاً مفصّلاً متكاملاً للتّفسير بالمعنى الصّحيح، وذلك لصعوبة تتبُّعِ ما خَلَّفتْه العُهودُ الطّوالُ من الآثارِ ، و صعوبةِ الفحص الدّقيق ؛ فكلّ تصوّر دقيق لحركة التّفسير لا بدّ أن تسبقَه دراسات مستوعِبة للتّراث التّفسيريّ و تكشف عن جوانبِه المختلفة ، و قد يستحيلُ على باحث واحدٍ أن يُلمّ بكلّ ما وُضع من قضايا تفسيرية على طول الزّمان و اتِّساع الأقطارِ ، و هو أمر لا يَنهضُ به إلاّ فريقٌ أو فِرقٌ من الباحثين المُسَلَّحين بعلوم التّفسير و أدواتِه و آلاتِه ، فضلاً عن علوم الآلَة الحديثة التي تُسمّى اليوم بالعُلومِ الإنسانيّة ...

و على الرّغم من استحالة كتابة هذ التّاريخ المفصَّل لِما أُنجز في التّفسير فإنّه لا ينبغي بحالٍ من الأحوالِ أن نقول مثلَما قالَ الأستاذ محمّد حسين الذّهبي إنّ الأوائلَ لم يتركوا للأواخِر كبيرَ جهدٍ في تفسير كتابِ الله و الكشف عن معانيه و مراميه .

صحيح أنّ المفسِّرين السّابقين قد وفّوا كثيرا من الدّراسات حقَّها من البحث والتّحقيق مثل الجانِب اللّغوي و الجانب البلاغي و الجانب النّحويّ و الجانب الأدبيّ و الجانب الفقهيّ و الجانب المذهبيّ و الجانب الكلاميّ و الفلسفيّ . و لكنّ هذه الجوانبَ كلَّها لم تسدّ الأبواب أمام مناهجَ و طرقٍ أخرى مُستحدَثةٍ يمكن أن يكونَ لها نصيبٌ من إثراء خُطّة التّفسير . و لا نستطيع أن نقولَ إنّ أثر النّهضة الحديثة في التّفسير يقتصرُ على العمل على التّخلّص ممّا حفلت به كتب التّفسير من الاستطرادات و الزّيادات التي حشرت فيها ومُزِجت بها على غير ضرورةٍ لازمة ، و لا يقتصر أثر التّجديد في التّفسير على تنقيتِه ممّا علِق به من القَصص الإسرائيليّ و الحشو ، و لكنّ النّصّ القرآني مفتوح أمام المناهج الأدبية و اللّسانية و النّقدية الحديثة التي يمكن أن تكشف عن مراميه الدّقيقة وأهدافِه السّامية، و مفتوح أمام ما جدّ من نظريات علمية صحيحة و طرائق نقدية يمكن أن تؤسس لتفسير حضاري يكشف الروابط بين معاني الآيات و روح العصر و سنن الاجتماع ونُظُم العمران .

و ليس التّجديد في خطّة التّفسير ابتداعا و أمرا مُحدَثا على غير قياس ، فقد سبق للمجتمع الإسلامي قديما أن وجد نفسَه في مواجهة ثقافة غريبة عنه هي ثقافة اليونان، وانقسم إزاءَها إلى فريقين : فريق الرّفض الصّريح و قد مثّله ابنُ حنبل و الغزالي و ابنُ تيميةَ و غيرُهُم ، و فريق منتفع بالجديد و قد مثّله المعتزلةُ من المتكلِّمين و الفلاسفة الإسلاميّين ؛ حيث استخدموا أداةَ المنطق العقليّ في الوصول إلى صيغة تدفع عن الدّين كلَّ شبهةٍ و تصون للفرد حرية الاختيار ، و اصطنعوا بذلك الثقافةَ اليونانية الوافدة وسيلةً يتوسّلون بها ، و أمّا الفلاسفة فقد كانت طريقتهم محاولة التوفيق بين العقل و الوحي لإثبات أن لا اختلافَ على الحقائق و إن تعدّدت المناهج .

فإذا كان ذوو النزعة الكلامية قد وقفوا من الثقافة اليونانية موقف المنتفع المتوسّل بأدوات جديدة في معالجة قضايا الدّين ، فهل يصلح أن يُقالَ عن طريق القياس إنّ على الثقافة الحديثة أن تَشرَعَ في النّظر في نصوص القرآن الكريم بمقولات جديدة لأنّ المقولات المنهجية و الفكرية السابقة ليست مُعَدَّةً الإعدادَ التّامَّ لتفسير نصوص الوحي في ضوء ما جدّ من علوم العصر ؟

الجواب أنّ الانتفاع بالمناهج الحديثة في معالجة معاني الآيات يحتاج إلى ضوابطَ تعصمُ التّفسيرَ الحديثَ من مزالق الإسقاط و تحميل النّصّ ما لا يحتمل ، و تُمكِّنُ من الانتفاع من الجديد في حلّ مشكلات المجتمع الحديث ، دون التّحرُّج من مجاوزة حرفيّة النّصّ و الرّبط المُوفَّق الدّقيق بين مرمى النّصّ القرآني و بين مشكلات المجتمع العاصر.

ألا يحقُّ أن نقولَ إنّ التفسير علم يُفهَم به كتاب الله المنزّلُ على نبيّه صلّى الله عليه وسلَّم و تُبيَّنُ به معانيه و تُستخرَج أحكامُه ، و يُستَمَدّ هذا البيان و ذلك الفهمُ من علوم التّفسير المعروفة و علوم الآلة ، مُضافاً إليها ما جدّ من من مناهج العلوم الإنسانية وخاصّةً علم الاجتماع و اللّسانيّات ، فيدخل في التّفسير كلُّ نشاط ثقافيّ يعتمد في تأسيس البيان والفهم و الاستنباط على ما جدّ من معارِف ممّا يتناسَبُ و روحَ النّصّ ولا يُعارِضه، و ممّا يكشف عن زوايا و جوانبَ في النّصّ المفسَّر لم تُوفِّها الأدواتُ السّابقةُ حقَّها من البيان و الإيضاح .

و إنّ الاستفادةَ من مناهج العلوم الإنسانية لَمِمّا يوسّع دائرةَ التّفسير و يمدّد أفُقَه ليشملَ ألوانا من مناهج النّظر إلى النّصّ القرآني .

2- النّصّ القرآنيّ كتاب الزّمن كلِّه و المكان كلّه ، و المفسِّر ابنُ عصرِه :

من خصائص النّصّ القرآني أنّه كتاب الزّمن كلّه و المكان كلِّه و البشرية كلِّها؛ فهو ليس بنصّ عصر أو جيل أو مصر ثمّ ينتهي بانتهائه ، و هو غير قابل للتأقيت لأنّه يتضمّن كلماتِ الله الباقيةَ و هدايتَه المستمرّة .

فمن يتناول هذا النص بالقراءة أو الفهم أو التّفسير فلْيتناولْه بهذه الرّوح، و لا ينبغي أن يُخضعَه قسراً لمذهب أو تيار أو منهج ؛ لأن الثقافاتِ و الأفكارَ و المناهجَ عُرضة للتّغيّر و التّطوّر[5] .

فهذه المتغيّراتُ مستجِدّاتٌ لا ينبغي أن نتمحَّلَ لِحملِ النّصّ القرآنيّ عليها ، إنّما نأخذ من المعاني ما ساعدت عليه اللّغةُ و احتملته العبارةُ دون قسرٍ و قبِلَه سَبْقُ النّصّ وسِياقُه .

و لكنّ ذلك لا يُسقِط عن النّاظرِ في النّصّ القرآني و القارئ له و المفسِّر له صفةَ كونِه ابنَ عصرِه و بيئتِه ، و أنّ بسطَ الدّين على واقع النّاس لا بدّ أن يأخذ بعين الاعتبارِ قضايا العصر و مشكلاتِ النّاس الذين هم مَحلّ الحكم الشّرعيّ ؛ فما من اجتهاد و ما من أفكارٍ بشريةٍ و مناهجَ تفسيريّةٍ إلاّ و هو وليد عصرِه ، و لا ينبغي الوقوف عنده والدّوران في فَلَكه ؛ لأنّ الاقتصارَ عليه سيعملُ على المحافظةِ عليه في قائمة الاجتهاداتِ و التّفاسيرِ التّاريخيّة .

إنّ المفسِّر للنّصّ القرآنيّ مُطالَب بالبحث في علوم الآلة الجديدة ، و هي العلوم الاجتماعية و الإنسانية ، باعتبارها أدواتٍ ضروريّةً لفهم الواقع و وإدراك أبعاد الإنسان. وهذه الآليات و الأدوات تُقدّم من المعارف و النّتائج ما تُصبح معه ضرورةً شرعيّة .

هذا و إنّ تنزيلَ أحكام الشّريعة المستنبَطة من النّصّ القرآنيّ على واقع النّاس إنّما يُراعى فيها هذا الواقعُ بأعرافِه و تقاليدِه و نُظُمه التي تتفاعل فيما بينها فينشأ عن التّفاعل أسلوبُ المجتمع في الحياة و ثَقافتُه و فكرُه ، فالاجتهادُ في فهم النصّ و الاستنباط منه لتنزيل الأحكام يُراعي هذه الخصوصيات ، فيكون هذا الاجتهاد في فهم النّصّ و استيعاب حقيقته مَبنيّاً على أدب خاصّ و قواعدَ تتناسبُ مع طبيعتِه ، و تُستخدَم فيه وسائطُ آليةٌ للتّحليل و التّصنيف و الرّصد ، قائمة على أسس علمية غير متروكة للتلقائيّة و العفويّة[6] .

إنّ الفهمَ المتجدّدَ للنصّ القرآني ينطلق من فهمٍ للإنسان في واقعه و مِن ضرورةٍ للانخراط الفعلي في هذا الواقع ، مُعايشةً للنّاس و تعامُلاً معهم و وقوفاً على مشاكلِهم الاجتماعيّة و النفسيّة و الاقتصادية و الثّقافية ، هذا الانخراط الفعلي لا غنى عنه لمن يُريد فهم واقع النّاس سواء أكان فقيها مشرّعا أم كان فيلسوفا أو أديبا أو محلّلا اجتماعيا، وأدوات التّعبير عن هذا الانخراط هي مناهج التحليل و التفسير الاجتماعية و الإنسانية؛ وهذه المناهج أو علوم الآلة الجديدة أدواتٌ للرّصد و التّحليل ، تُمكّن من ملاحظة الظّاهرة وإدراك الآليات التي يتحرك بحسبها المجتمع و تُنسج على منوالها العلاقات البشرية، وهذه الأدوات –ومنها علوم الاجتماع و الاقتصاد و الإحصاء و اللّسانيات و التّاريخ- تُساعد على الكشف عن آليات الواقع و ما يشتمل عليه من مركّباتٍ أو أمراض أو عوائق؛ لأنّ الكشف عن آليات الواقع شرط ضروري لتنزيل الدّين من النّصوص إلى واقع الحياة الفردية و الاجتماعية .

و المقصود من هذا التقديم أنّ هناك أدباً لفهم النّصّ الشّرعيّ و أدباً لفهم الواقع البشري ، و أنّ فهمَ الواقع يستلزمُ أدباً يوازي الأدب المستلزَم في فهم الدّين ، و الملاحَظ أنّ المباحثَ السّابقة في التّاريخ لم تولِ لأدبِ فهمِ الواقع و آلياته مثل الذي أولته لأدب فقه الدّين من العناية و الاهتمام ؛ و لكنّ هذا الفقه بُني في البداية و تأسّس على فهم أحوال المسلمين في ذلك العهد و اطبع بطابع البلاد التي نشأ فيها ذلك الفقه ، و من شواهد ذلك ما كان للإمام الشّافعي من مذهب قديم لما كان مقيما بالعراق ، فلمّا انتقل إلى مصر بنى مذهبا مخالفا .

3- الخِطاب القرآني و المناهج الاجتماعية :

إنّ الصّلةَ بين النّصّ القرآني و الإصلاح الاجتماعي قديمة قِدَمَ القرآن في النّاس، والمفسّر المُحْدثُ المحمّل بالمناهج الاجتماعية و أدوات نقد النّصوص أكثرُ تنبُّها إلى مجتمعه خلال تفسيره أو نظرِه في القرآن الكريم، من مفسّري النّصوص في الدّيانات الأخرى التي تجعل أصحابَها أميلَ إلى الانطواء و العزلة و التّأمّل و أبعدَ عن قضايا مجتمعاتهم. و قد شُغل كثير من المفسّرين الاجتماعيّين المحدثين، للنّصّ القرآني في صلتِه بالمجتمع، بقضايا معينة مثل التّمدّن و المُعاصرة و الحداثة، و قضايا السّياسة والحكم، وقضية الإصلاح الاجتماعي، و مبادرات التّنمية البشرية أو التّنميّة على المواطنة أو التّنمية الاجتماعية .

و لكن علم الاجتماع في صياغته الغربية لا يصلح أن يُستفاد منه في فهم نصوص القرآن الكريم إلاّ إذا خضع لتعديلات كثيرة تمَسّ المنهج و الرؤيةَ و المقاصد ؛ لأن علم الاجتماع، و كذلك العلوم الاجتماعية و الإنسانية الأخرى، مرتبطة ارتباطا أساسيا بالنّشأة الحديثة لهذه العلوم و بالتّكوين العلمي و الفكري لرواد هذه العلوم ؛ لأنّ هذه العلوم عبارة عن معلومات منظّمة ومنسّقة وفقا للمعتقدات و الأفكار الاجتماعية ؛ فقد نسق الباحثون الغربيون علومهم الإنسانية و الاجتماعية تحت ضغط حاجاتهم الفكرية و العلمية، فجاءت هذه العلوم محمّلةً بتصوراتهم ومبادئهم[7] و مشبعةً بعقائدهم و مذاهبهم و فلسفاتهم، المبثوثة داخل الأبحاث النظرية والتطبيقية .

و أهمّ مبادئ التّصوّر الغربي لعلم الاجتماع هو التّمرّد على الدّين[8] ، و الاعتماد على مبدأ المادّية أو الحسّيّة في التّفكير و التّصور و الإدراك .

و بناء على ذلك ، فإن نظريات علم الاجتماع -بما عليه من صياغة غربية- ذاتُ مادّة علميّة ناقصة ؛ لاعتمادها على عالَم المحسوسات و إنكارها لعالَم الغيب ، و لأنّها إجابات لأسئلة غربية بحتة .

أما إذا أردنا أن نتصور علم اجتماع بصياغة إسلامية ؛ فإنّ علينا :

-       أن نبدأ من المحور الأساس في هذه الصّياغة ، و هو العقيدة أو نظرة الإسلام إلى الكون و الحياة و الإنسان ، و المصدر الرّئيس لعلم الاجتماع في صياغته الإسلامية هو القرآن و السّنّة ؛ لأنه يدرس العلاقات الاجتماعية، علاقات البشر بالبشر ، و لا بدّ أن تكون هذه الدّراسة للعلاقات الاجتماعية في ظلّ الوحي الذي يعصم من الوقوع في شطط المتاهات و ينظم العلاقات بين الأفراد بناءً على إحلال الحلال و تحريم الحرام . و بناء على مبدإ التّكامل في العلاقات كالتّكامل في علاقة الرجل بالمرأة ، خلافا لعلم الاجتماع الغربي الذي يذهب إلى مبدإ المساواة المطلَقة بينهما ، فترتّب عن هذه النّظرة عواقب وخيمة تتعلّق بتربية الأولاد و رعاية كبارِ السّنّ و و ما يُعانون من إهمال و حرمانٍ[9] .

 

-       و إذا كان علم الاجتماع ذو القوانين الوضعية يهدف إلى معرفةِ الظواهر الاجتماعية معرفةً علميّة بقصد التّحكّم في المجتمع و تنظيمِه و سَنّ القوانين المناسبة ؛ فإن علم الاجتماع في صياغته الإسلامية يقف عند أحكام الشريعة التي تنظم العلاقات داخل المجتمع الإسلامي ، لقولِه تعالى : «فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً»[10] .

فعلاقة علم الاجتماع بالوحي تكوِّن الأساسَ العقديّ لنظرة الإنسان إلى الكون والحياة و ما وراءَهما ، و تؤثّر في نظرة علم الاجتماع إلى الواقع الاجتماعي ، كأن يُثبتَ عالِم الاجتماع أنّ هلاكَ الأمم لا يقع إلا بأسباب موضوعية كالظّلم « و ما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ و أهْلُها مُصْلِحونَ »[11] ، و جُحودِ النِّعْمة : « وَ كَمْ أَهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعيشَتَها »[12] ، و غيرِ ذلك من المفاسد الاعتقاديّة و الاجتماعيّة التي انتشرَت في أقوام الأنبياء السّابقين[13] ، و أنْ يضعَ حدّاً فاصلاً بَين الوَحي الإلهي و الفكر البشريّ .

4- الخِطاب القرآني و فَلسفة التّاريخ :

هناك نظريات متعدّدة في إطار فلسفة التّاريخ وُضِعت لتفسير التّاريخ البشري، منها ما يَصلُح أن يُستَعان به في فهم بعض نصوص القرآن الكريم و تفسيرِها ، و منها ما لا يصلُح . و من بين ما يُمكن استعراضه من نظريات في تفسير التاريخ نظرية "أرنولد توينبي" في التّفسير الحضاري للتّاريخ ، التي تتحدّث عن مبدإ التّحدّي و الاستجابة ومسألة الحدّ والوسط ، و أن السهولة البالغة للبيئة لا تستثير تحدّيا و من ثَمّ لا تُنشئ حضارةً، بينما الصّعوبة تجعل الاستجابة في حالة استحالةٍ و تَحول دون نشوء الحضارة، أمّا الحدّ الوسط الذي تتوازن فيه المصاعب و التّيسيرات فهو الذي يشكّل نواةَ الاستجابة و يفتح المجالَ للتّحقُّق الحضاريّ عبر التّاريخ[14] . الحدُّ الوسط يدلّ عليه قولُه تعالى : «إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ»[15] ، و قولُه تعالى : «و لَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبادِه لَبَغَوْا في الأرْضِ ولكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مّا يَشاءُ، إنّه بِعِبادِه خَبيرٌ بَصيرٌ»[16] ، و يُذكِّرُ بالآياتِ الخاصّةِ بتذليلِ الأرضِ للإنسانِ من أجلِ العُمْرانِ ، و بآياتِ التَّسخيرِ ، و آياتِ التّنقيبِ في الأرضِ لاستخراجِ الخيراتِ و النّظرِ في السّماءِ لإدراكِ السّنن و النّواميس ، و آياتِ تجنّب التّرفِ لأنّه يمنح الاسترخاءَ و التّيسيرَ المبتذَل و يفتُّ في العضُد و العزيمة و يقود إلى تفكُّك الحضارة .

و تتحدّث نظرية توينبي عن التّقليد و أثرِه في بناء الحضارات ، فتشير إلى نمطين من التّقليد : تقليد الأغلبيّة للنّخبة المُبدعة ، و تقليدٌ أعمى للآباء و الأجداد ، فأمّا التقليد الأوّل فإنّه يحقّق نقلاً و نشرا للقيم الإيجابيّة في كافّة مناحي الحياة ، و أمّا التّقليد الثّاني فإنّه يُعرقل حركةَ النّموّ الحضاريّ و يميل بالمجتمع إلى السّكون . و لقد ذمّ كتابُ الله التّقليدَ السّيّءَ الذي يقود الأغلبيّةَ إلى الاختباءِ وراءَ شعاراتِ الآباءِ و الأجداد ضدّ كلّ دعوةٍ جديدةٍ يحملها نبيّ أو رسولٌ :

«وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ »[17] ، «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ»[18]، «وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ »[19] ، «ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وقَالُواْ قَدْ مَسَّ آبَاءنَا الضَّرَّاء وَالسَّرَّاء فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ»[20]، «قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ»[21]، «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ»[22] .

فالخِطابُ القرآني يُدينُ هذِه المواقفَ السّاكنةَ التي كانت من أشدّ عوامل العَداء ضدّ الرّسالات السّماويّة ، و يدعو إلى اتّخاذ موقف متحرّر من سائر الضّغوط التي يمارِسها الإلف و العادة .

هذا , إن النّظريات الاجتماعيّة و إن تعارضت مع المنظور الإسلامي فإنها قد تلتقي معه في مواضع كثيرة ، ويأتي هذا اللقاء و التّشابه تأكيد المصداقيّة المنظور القرآني وقدرته على الكشف المبكِّر ، باعتباره صادرا عن الله سبحانه و تعالى ذي العلم المطلَق والذي لا يخفى عليه شيء في الأرض و لا في السّماء . و معنى ذلك أنّ الخبرةَ البشرية في أنشطتها الوضعية ليست كلُّها شراً و ليست نسيجا من الأخطاء الذي قد يتخلّلها صواب ولكنّها محاولة للكشف قد تصل و قد لا تصل ، و هي عندما تصل فإنها تمنح العقل البشريَّ إضاءةً جديدةً للمسيرة التّاريخيّة و البناء الحضاريّ ، عَبّر عنها القرآن الكريم بقولِه: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ»[23] .

و هكذا يُمكن أن يُستَفادَ من النّظرياتِ الاجتماعيّة التي اكتسبت حظّاً كبيرا من الواقعيّة و الشّمول ، في قراءة آياتِ المجتمع و التّاريخ و سنن التّطوّر البشري ، ولكن لا تتمّ تلك الاستفادة إلا في ظلّ بُعدٍ رئيس في مجالِ فقه النّصوص و هو أهمّيّة استحضارِ عظَمةِ مصدر النّصّ القرآنيّ أو مُنْزِلِه و هو الله سُبحانَه و تعالى ، أثناءَ التّعامُلِ مع النّصّ لاستنباط الأحكام و بيان المراد ، و ذلك لأن استشعارَ عظمةِ الخالِق أمر يميّز النّصّ القرآني عن كلامِ النّاس ، مَصدراً من الخالق و عصمةً من الخطإ و استشعارا للمسؤولية وإتقانا للعمل[24] .

5- الخِطابُ القرآنيّ و اللّسانيّات:

يُمكن أن تُسهمَ المناهج اللّسانية الحديثة في فهم نصوص القرآن الكريم فهما متكاملاً يؤدّي إلى وضع النّصّ القرآني في إطاره العامّ الذي نتج به أوّل مرّة ، يمكن أن تقدم اللسانيات منهجا في الفهم المتكامل هو المنهج السياقي في مستوياته اللغوية المتعددة النحوية و الصرفية و المعجمية و البلاغية ، التي تُرشد في فهم مراد المتكلّم و مقاصده العليا بقرائن نصّية لفظية و معنوية ، و يضاف إلى السياق اللغوي الدّاخلي سياق آخَر هو سياق الحال أو المقام أو ما يتّصل به من عناصر الحال و الزمان و المكان والمتكلم والمخاطب .

و لا شكّ أنّ المنهج السياقي بِبُعديه : البعد اللغوي الدّاخلي و البعد المقامي الخارجي ، يقدّ بين يدي فهم النّصّ الشّرعي نَسَقا من العناصر التي تقوّي طريق فهمه وتفسيره و الاستنباط منه ؛ لأن العلم بخلفيات النصوص و بالأسباب التي تكمن وراء نزولها أو ورودها يُورِث العلمَ بالمسبَّبات ، و ينفي الاحتمالات و الظّنون غيرَ المُرادة، ويقطع الطّريق على المقاصد المغرضة التي لم يُرِدها الشّارع الحكيم و لم يَرُمْها، ويُصحّح ما اعوجّ من أساليب التّطبيق ، كاقتطاع النّصّ من سياقه و الاستدلال به معزولا عن محيطه الذي نزل فيه ، هذه الأساليب التي أخرَجت النّصوص عن مقاصدها العليا ودفعت بها إلى وجوه من المعاني و الاستنباطات البعيدة التي ظاهرها حقّ و باطنها باطل وجَور.

* تعريف السّياق :

السّياق إطار عامّ تنتظم فيه عناصر النّصّ و وحداته اللّغويّة، ومقياس تتّصل بوَساطَتِه الجُمل فيما بينها و تترابط ، و بيئة لغوية و تداوليّة ترعى مجموع العناصر المعرفية التي يقدمها النّصّ للقارئ .

و يضبط السّياق حركات الإحالة بين عناصر النّصّ ، فلا يُفهَم معنى كلمة أو جملة إلا بوصلِها بالتي قبلها أو بالتي بعدها داخل إطار السّياق .

و كثيرا ما يَرد الشّبه بين الجُمل و العبارات مع بعض الفوارق التي تميز بينها، ولا نستطيع تفسيرَ تلك الفوارق إلا بالرّجوع إلى السّياق اللّغويّ و لحظِ الفوارق الدّقيقة التي طرأت بين الجمل . فكلّ مَساقٍ للألفاظ يجرّ ضربا من المعنى بجزئياته و تفاصيله.

و السّياق الصّورة الكلّيّة التي تنتظم الصور الجزئيّةَ ، و لا يُفهَم كلّ جزء إلا في موقعه من «الكلّ» ، و قد أثبت العلم أنّ الصّورةَ الكلّيّة تتكوّن من مجموعة كبيرة من النّقاط الصغيرة أو المتشابهة أو المتباينة ، التي تدخل كلها في تركيب الصورة .

هذا و إنّ التّحليل بالسياق يُعدّ وسيلةً من بين وسائل تصنيف المدلولات[25]، لذلك يتعيّن عرض اللّفظ القرآنيّ على موقعه لفهم معناه و دفع المعاني غير المرادة. لذلك يتعيّن عرض اللّفظ القرآنيّ على موقعه لفهم معناه و دفع المعاني غير المُرادة. وللسّياق أنواع كثيرة منها[26] :

- السّياق المَكاني و يعني سياق الآية أو الآيات داخل السّورة و موقعها بين السّابق من الآيات و اللاحق، أي مراعاة سياق الآية في موقعها بين السّابق من الآيات و اللاّحق، أي مراعاة سياق الآية في موقعها من السّورة، و سياق الجملة في موقعها من الآية، فيجب أن تُربَط الآية بالسّياق الذي وردت فيه ، و لا تُقطَع عمّا قبلها و ما بعدها .

- السّياق الزّمنيّ للآيات، أو سياق التّنزيل ، و يعني سياق الآية بين الآيات بحسب ترتيب النّنزول .

- السّياق المَوضوعيّ ، ومعناه دراسة الآية أو الآيات التي يجمعها موضوع واحد، سواء أكان الموضوع عامّاً كالقصص القرآنيّ أو الأمثال أو الحِكم الفقهية ، أم كان خاصّاً كالقصة المخصوصة بنبيّ من الأنبياء أو حُكم من الأحكام أو غير ذلك، و تتبّع مواقعها في القرآن الكريم كلّه .

- السّياق المَقاصديّ و معناه النّظر إلى الآيات القرآنيّة من خلال مقاصد القرآن الكريم والرؤية القرآنية العامّة للموضوع المُعالَج .

- السّياق التّاريخيّ بمعنييه العامّ و الخاصّ ؛ فالعامّ هو سياق الأحداث التّاريخيّة القديمة التي حكاها القرآن الكريم و المُعاصرة لزمن التّنزيل، والخاصّ هو أسباب النّزول.

- السّياق اللّغويّ و هو دِراسةُ النذصّ القرآنيّ من خلال علاقاتِ ألفاظِه بعضها ببعض و الأدواتِ المستعملة للرّبط بين هذه الألفاظ ، و ما يترتّب على تلك العلائق من دلالات جزئية و كلّية .

و ينبغي تحكيم كلّ هذه الأنواع من السّياق عند إرادة دراسة النّصّ القرآني بمنهج سياقيّ متكامل، و إلاّ فإنّ الاقتصار على السياق التّاريخيّ سيحوم حول النّصّ و لا يعدوه، وأمّا الاقتصار على السّياق الدّاخليّ وحده دون الالتفات إلى الأحداث التّاريخيّة المحيطة به أو المصاحبة لنزوله فسيجعل النّصّ بنيةً لغويّةً مغلقةً تقتصر على ما تفيده الألفاظ من معانٍ و دلالات .

* النّصّ القرآني نصّ لغويّ أولاً :

يعدّ النّصّ القرآني بادئ ذي بدء نصا لغويا منسوجا من جنس لسان العرب ، مؤلَّفا من جمل مترابطة تشكّل عناصر ذات دلالات خاصّة بها ، و تتضافر هذه العناصر لتؤلّف كلاما يفيد قصدا دلاليا معينا .

و هذه قاعدة ثقافية ثابتة لفهم النص القرآني ، و اقتضت هذه القاعدة من علماء التفسير الوقوف عند ظاهر اللّفظ باعتباره أساسا لفهم المعنى ، و لم يُلتفَت إلى الجوانب التّاريخيّة أو النّفسيّة أو الثّقافيّة إلا في إطار ضيّق و بحذر شديد خشية الوقوع في محظور التفسير بالرأي ، و تبيّن أنّ للنّصّ القرآني ثابتا يُلتزَم بالوقوف عنده و متغيرا يكون عُرضة للاجتهاد و التأويل و الفهم المجازي ، و لا يجوز أن يحوَّلَ النصّ القرآني إلى ميدان للفهم الظّاهريّ الحرفيّ مطلقا و لا للفهم الباطنيّ الذي من هذا النّصّ كتابا رمزيا لا يُراد منه ظاهره بل يُراد منه فهمُ كلماتِه باعتبارها مصطلحات خاصّةً ذات رموز معينة يستعصي فهمها .

و قد أساء كلّ واحد من هذين الاتجاهين إلى النّصّ القرآني و المفاهيم القرآنية، لِما يتّصف به من غلوّ فكري و شطط منهجي و بعد عن المنهج الوسط الذي يُحكِّم الأدواتِ الموضوعيةَ في فهم النّصّ كما أنزِلَ و كما أراده منزِله سبحانه و تعالى ، و هي دلالاتُ الألفاظ في عهد التّنزيل ، و علومُ القرآن ، و قواعدُ الفقه و أصولُه ، و عادةُ القرآن الكريم و منهجُه في الخطاب ، و أسلوبُه في التربية و التّعليم و التّقريب ، و تحكيمُه في تفسيرِ آياتِه ، ثمّ تحكيمُ الحديث النبويّ القطعيّ الثّبوت أو الظّنّيّ الثّبوت الذي ثبتَ بخبر الثّقة، في تفسير القرآن ؛ لأن القرآن الكريم مُحتاج إلى كثير من البيان –وهذه فيه علامةُ الكلّيّة- ، أمّا السّنّة فهي لكثرتها و كثرة مسائلها و تفاصيلها بيان للكتاب . فالسّنّة تفسّر القرآن الكريم و تبيّنه و توضح معانيه ، و لا تحتاج إلى إيضاح من القرآن لأنها واضحة المعاني و العبارات .

* النّصّ القرآني في ظلّ السّياق :

جاء القرآن الكريم معرِّفا بالأحكام الشّرعيّة ، و جاء تعريفه بهذه الأحكام كلّيّا لا يختصّ بشخص أو حال أو زمان أو شرط أو ركن أو غير ذلك ، و جاءت تلك الأحكام الكلّية مستوعبةً كلَّ الظّروف و الأحوال و الطّاقات ، و كلّما أحسن الفقيه و تمكّن من تنزيل تلك الأحكام الكلّية –المجرَّدة من ظروف زمان بعينه أو مكان بعينه- على الوقائع و الأقضية ، أدرك المقاصد العليا للشريعة .

و يدلّ على صفة الكلّيّة في القرآن الكريم أنّه محتاج إلى كثير من البيان و العرض على المَساقات المختلفة ، بحسب ما تسمح به مقاصد الشّريعة ، و قد جاءت السّنّة بيانا للكتاب كما قال تعالى : «و أنْزَلْنا إليك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ للنّاسِ ما نُزِّلَ إليهم و لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرون»[27]

* السِّياق اللّغويّ للقرآن الكريم: إجراءات تطبيقية لكيفية تحكيم السياق في فهم القرآن :

أ- اللّغة المُتداوَلَة في عصر التّنزيل هي المرجع في التّفسير :

ينبغي أن تُعدّ اللّغةُ التي كانت مُتداوَلةً في عصر التّنزيل المَرْجِعَ في تفسيرِ القرآن الكريم واستنباط الأحكام منه، دون الالتفات إلى اللّغة الحادثة[28] وما طرأ عليها في العصور التالية من تطوّر في دلالات الألفاظ ، ممّا لا ينبغي تحكيمه في فهم القرآن الكريم، وبعيدا عن الرّواسب الفكريّة التي يحملها المفسِّر فيُسقِطها على القرآن الكريم ، بِما يُخرِج النّصّ عن بلاغته و أصالته ، و معنى ذلك أن لغة التنزيل تُرافق سياق التنزيل و تُلازمها[29] ولا تحيد عنها ، فلا ينبغي إخراج المصطلح الشّرعي عن مدلوله الأصلي وإلا فسيصير « لفظُ الشّارع غير مُطابقٍ لمسمّاه الأصلي »[30] ، « وهذا أمر يوجِبُ الجهلَ بالحقّ والظّلمَ للخَلق»[31] .

ب- مُجاوزة مدلول الكلمة إلى تركيب الكلام و مقتضى السّياق :

يقتضي منهج التفسير اللغوي السّياقي ألا يقتصر المفسِّر على دلالة الكلمة بل يُجاوزها إلى تركيب الكلام ؛ قال المفسّر أبو حيّان النّحويّ الأندلسيّ عند تفسيره لقوله تعالى : « وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِه و هَمَّ بِها لَوْلا أن رَّأى بُرْهانَ رَبِّه »[32] : « طَوّل المفسِّرون في تفسير هذين "الهَمَّيْنِ" ، و نَسب بعضُهم ليوسفَ ما لا يجوزُ نسبتُه لآحاد الفسّاق ، والذي أختاره أنّ يوسف عليه السلام لَم يقعْ مِنْه هَمٌّ بِها البَتَّةَ ، بل هو مَنفيّ لوجود رؤية البرهان ، كما تقول : لقد قارَفْتَ لولا أن عصمَك الله ، و لا تقول : إن جواب "لولا" متقدّم عليها ، و إن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك ... بل نقول : إنّ جوابَ "لولا" محذوف لدلالة ما قبله عليه ، كما تقول جمهورُ البصريّين في قول العرب : "أنت ظالم إن فعلت"، ولا يدلّ قوله "أنت ظالم" على ثبوت الظّلم ... و الذي رُوِيَ عن السّلَف لا يساعد عليه كلامُ العرب... و قد طهّرْنا كتابَنا هذا... و اقتصرنا على ما دلّ عليه لسان العرب ومساقُ الآيات »[33] ؛ فقد تبيّن أن المعنى الصّحيح في نفي الهمّ عن يوسف عليه السلام، يبيّنه تركيبُ الكلام كما ورد على أصله ، و لا معنى للقول بخروجِه عن ترتيبه .

ج- تتبّع الكلمة القرآنيّة في مواردها المختلفة :

و ممّا يُعِين على حسن الفهم أن يتتبَّع القارئُ الكلمةَ القرآنيّة في مواردها المختلفة[34] ويستقريها في مواضعا كلِّها ، حتّى يتبيّن له السّياق الدّلاليّ الصّحيح الذي وردت فيه، وذلك مثل كلمة "الاجتناب" التي وردت في معرض النّهي عن الخمر ؛ فإن الموارد التي وردت عليها الكلمة في القرآن الكريم تفيد اقترانَها بالشرك و ما في معناه[35] ، و يُستنتَج من ذلك الاقتران أنّ الكلمةَ تفيد التّحريم القطعيّ .

و لقد عدّ العلماءُ مراعاةَ السّياق في فهم القرآن الكريم المنهجَ الأمثل في التّفسير وضابطاً من الضّوابط المهمّة في حسن الفهم و التّأويل ، و تجلّت هذه القاعدةُ المنهجية، أي المنهج السّياقي، في تفسير القرآن بالقرآن[36] ، و دلالة السياق من أعظم القرائن التي تدل على مراد المتكلّم و تُرشِد إلى تبيين المُجمَل و إثبات المعنى المراد دون غيرِه وتخصيص العامّ و تقييد المطلَق ، و كلّ قول أو تفسير لا يُؤيّده السّياق فلا عبرةَ به .

فمن ذلك أن قولَه تعالى : « ذُق إنَّكَ أنْتَ العَزيزُ الكَريمُ »[37] إنّما يعني به الذّليلَ الحقيرَ ، و أن قولَه تعالى : « وَ مَا أُبَرِّئُ نَفْسي، إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بالسّوءِ إلاّ ما رَحِمَ رَبّي، إنَّ رَبِّي غَفورٌ رَّحيمٌ »[38] إنّما هو من قولِ امرأة العزيز و ليس من قول يوسفَ[39]؛ لأنّ السياق يفيد أن كلام يوسف عليه السلام قد انقطع ، و ابتدأ كلام امرأة العزيز في جُملٍ متّصلة، أمام الملِك ، و لم يكن يوسفُ حاضراً معها في ذلك الوقت ، ولكنّه استُدعِيَ فيما بعدُ ؛ قال ابنُ كثير : « تقول المرأة : و لست أبرّئ نفسي فإن النفسَ تتدّث و تتمنّى، ولهذا راودته ، لأن النفس أمّارة بالسوء إلا ما رحم ربي ، أي إلا من عصمَه الله تعالى، إن ربي لغفور رحيم . و هذا القول هو الأشهر و الأليق و الأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام، و قد حكاه الماوردي في تفسيره ، و انتدب لنصره الإمامُ أبو العبّاس ابن تيمية رحمه الله، فأفرده بتصنيف على حدة »[40] .

و تقتضي مراعاةُ السّياق « مراعاة سياق الآية في موقعها من السّورة ، و سياق الجملة في موقعها من الآية ، فيجب أن تُربَط الآيةُ بالسياق الذي وردت فيه و لا تُقطَع عمّا قبلها و ما بعدَها ، ثمّ تُجرّ جرّاً لتفيد معنى أو تؤيّد حُكماً يقصدُه قاصد »[41] .

* القِيَم السّياقيّة المُستعمَلة في ربط الكلام بعضِه ببعض : نماذجُ عمليّة :

إنّ المتتبِّع للنصّ القرآني يدرك أن المَساقاتِ فيه تختلف باختلاف الأحوال والأوقات و النوازل ، ممّا هو معلوم في علم البيان و المعاني[42] ، فالضّابط الذي يَلزَم في فهم النص هو الالتفات إلى أول الكلام و آخِره بحسب القضية و ما اقتضاه الحالُ فيها، ممّا تُبيِّنُه أسباب النّزول ؛ فإنّ علم المعاني و البيان إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال و أسباب النزول ، فأجزاء القضية الواحدة و جُملها متناثرة في السّورة الواحدة أو السّوَر المتعدّدة ، و لكنّ بعضَها متعلّق ببعض ، فلا بدّ من ردّ آخر الكلام على أوله وأوّله على آخره لفهم مقاصد الشّارع مقرونا بمعرفة أحوال نزوله ، أمّا إذا تفرّق النّظر في الأجزاء بسبب الجهل بأسباب التنزيل فلا يُتوصَّل إلى إدراك المقاصد على الوجه المراد، ويوقِع هذا الجهل في الشُّبَه و يورِد النّصوص الظّاهرة مَوردَ الإجمال فيقع الاختلاف والنّزاع[43] .

فلا بدّ إذاً من مراعاة أوّل الكلام و آخِره ، و ربط ذلك كلّه بأحوال نزوله، لبيان المعنى المراد، و تُدرَكُ علاقاتُ الكلام بعضِه ببعض بمعرفة أساليب النّصّ القرآني، ومن هذه الأساليب أسلوبُ الرّدّ و التّعقيب، و أسلوب الحوار، و غير ذلك...

- أثر السياق في تفسير الائتلاف و الاختلاف بين الآيات :

في القرآن الكريم آيات كثيرة تكرّرت فيها كلمات أو جُمل من جهات متعدّدة، واختلفت من جهات أخرى، والسّياق اللّغوي من العلامات المائزة التي تَرفع إشكال اللَّبس، وهو ما عُرِفَ بعِلم المُتشابه. و قد صنَّف فيه العلماء و نظَمَه السّخاويّ و صنَّف في توجيهه الكرماني كتابَ "البُرهان" ، و أبو عبد الله محمّد بنُ عبد الله الخطيبُ الإسكافيّ الأصبهانيّ (ت.420هـ) كتابَ "دُرّة التّنزيل و غُرّة التأويل" ، و أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ الزّبير الغناطيّ (ت.708هـ) كتابَ "مِلاك التّأويل" .

و المُتشابه هو إيراد القصّة الواحدة في صورٍ شتّى و فواصلَ مختلفة ، ويكثرُ في إيراد القِصص و الأنباء، و حكمتُه التّصرّف في الكلام و إتيانُه على ضُروبٍ ليُعلِمهم عجزَهم عن جميع ذلك[44] .

و من الشّواهد على ورود التّشاكُل بين الآيات مع الاختلاف اليسير :

أ- قولُه تعالى: «الحَمْدُ لله»[45] ، اقترَن بهذا المقطع أكثرُ من آية في أكثر من سورة، وكلّ هذه السّور متساوية في استقلالها بأنفُسها و امتياز بعضها عن بعض، و مع ذلك فقد خُصّت كلُّ آية منها بورودها مَتلوّةً بصفات من صفاته تعالى ؛ ففي الفاتحة : «اَلْحَمْدُ لله رَبِّ العالَمينَ» وفي الأنعام : «الحَمْدُ لله الذي خَلَقَ السَّماواتِ و الأَرْضَ جَعَلَ الظُّلَماتِ والنّورَ»، وفي الكهف : «الحَمْدُ لله الذي أنْزَلَ على عَبْدِه الكِتابَ و لَمْ يَجْعَلْ لَه عِوَجاً»، وفي سبأ: «الحَمْدُ لله الذي لهُ ما في السَّماواتِ و ما في الأرْضِ» ، و في فاطر : «الحَمْدُ لله فاطِرِ السَّماواتِ والأَرْضِ» .

فظهر أن الحمدَ واحد ، و لكنّه خُصِّصَ بصفات معيَّنة لمناسبة سياقية تفرضها في تلك السّورة دون غيرها :

فأمّا الحمد في الفاتحة فقد اقترن بصفاتٍ عليّة هي "رب العالمين" و "الرحمن الرحيم" و "مالك يوم الدين" ، و هي صفات تقطع الدّعاوى و تُظهرُ الحقائقَ و تُبرز إلى العيانِ ما كان خبراً

و أمّا الحمد في الأنعام فيُناسب ما وقع في السّورة من الإشارة إلى مَن عَبَدَ الأنوارَ و جعل الشّرَّ من الظّلمة ، و أنّ الله هو خالق السّماوات و الأرض و هي الأجرام التي ينشأ عنها الظّلمات و النّور و ليست مُستحِقّةً لأن تكون معبودة كما زعم قومُ إبراهيم عليه السّلام ، من ألوهيّة الكواكب و الشّمس و القمر ، فكان إسنادُ خلق السّماوات و الأرض لله عزّ وجلّ مناسبا لسياق المعنى ، فوضح التّناسب و التّلازم .

و ما قيل في الفاتحة يُقال الكهف و سبأ ، من وضوح التّناسب لِما جاء فيهما في موضعه الوارد فيه ، ناهيك عمّا ورد في خواتم الآيات و السّور من المعاني المناسبة للمؤمنين عند خواتم أعمالهم و انقضاء أمورهم ، نحو قولِه تعالى : «والحمد لله ربّ العالمين»[46] .

ب- و قَولُه تَعالى : « و قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ و زَوْجُكَ الجَنَّةَ و كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هذِه الشَّجَرَةَ »[47]، و قَوْلُه : « و يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ و زَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما و لا تَقْرَبَا هذِه الشَّجَرَةَ »[48] : عَطف الفعلَ المسندَ إلى المثنّى "كُلا" على المسند إلى المفرد "اسكنْ" في الآيتين معا ، و فرّقَ في أداة العطفِ فعَطَف في الأوّل بالواو و في الثّاني بالفاء ؛ و إنما كان العطف بالفاء لِما يوجد من معنى تعلُّقِ الثّاني بالأول كتعلُّق الجواب بالشّرط ، و أنّ وجودَ الأكل متعلِّق بدخول الجنّة لِلُّزوم والسُّكنى، فكأنّه قال : ادخُل ساكناً ، على غِرارِ قوله : « قالَ اخرُج منها مذْءومًا مَّدْحوراً »[49] .

ج- و قولُه تعالى : « وَ إذْ نَجَّيْناكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ »[50] ، و قولُه : « وَ إذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ العَذَابِِ وَ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ »[51] ، ففي الأوّل جعل "يذبّحون" بدلاً من "يسومونكم" فلم يَحتجْ إلى الواو ، و في الثّاني جعل "يذبِّحون" معطوفا على "يسومونكم" فجاء بالواو للتّعبير عن أنّ المكروه الذي أصابهم مِن قِبَل فرعون ضُروب كثيرةٌ، منها سَوْمُ العذاب و منها ذبح الأبناء ، و من فوائد العطف بالواو أن الآيةَ وردت في سياق قصّة أخرى قبلها : « وَ لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ، إنَّ في ذلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ »[52] ، و القصّة المعطوفةُ على مثلها تُقوّي معنى العطف .

* أسلوب المُحاورات و علاقة الحوار بالسياق :

الحِوار فعل تواصليّ بين متكلّم و متلقّ ، و يتحقّق في موقف سياقي و فضاء ثقافي واجتماعي ، و القرآن الكريم هو الكلمة الفاصلة بين الحق و الباطل ، و جاء الحوار فيه لبيان الحقّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا مِن خلفِه[53] ، و هو مليءٌ بنماذِجَ كثيرةٍ من أساليب الحوار المتنوّعة التي أرشد الله عزّ و جلّ نبيَّه صلّى الله عليه و سلّم لاتّباعِها في مسيرتِه العمليّة و الدّعويّة ، و قد بنى من الحوارِ قاعدةً كبرى تطبع علاقاتِه كلَّها، واتّخذها وسيلةً لنشر المعرفة المؤدّية إلى الحقّ : « وَ مَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إلى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَ قالَ إنَّني مِنَ المُسْلِمينَ »[54] ، « اُدْعُ إلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَ المَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَ جَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ »[55] .

و من تتبَّعَ مجاريَ الحكايات في القرآن الكريم عرف مداخلها و ما هو منها حقٌّ وما هو منها باطل ، و المحاوراتُ داخلةٌ في هذا الباب ؛ فمن ذلك قوله تعالى : « إذَا جَاءَكَ المُنافِقُونَ قَالوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ الله »[56] ، فهذه حكاية ممزوجةُ الحقِّ بالباطل، ظاهرها حقّ وباطنها كذبٌ من حيث كان إخبارا عن المُعتقَد و هو غير مُطابق ؛ فقد صحّح القولَ بقولِه : « و اللهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُه » إبطالاً لِما قصدوا فيه .

و ممّا جرى تصحيحُه قولُه تعالى: «و منْهُم الذينَ يُؤْذونَ النَّبِيَّ وَ يَقولونَ هُوَ أُذنٌ»[57] أي يسمع الحقَّ و الباطل ، فردَّ عليهم فيما هو باطل و أحقَّ الحَقَّ فقالَ : «قُلْ أُذنُ خَيْرٍ لَكُمْ» ، و لمّا قصدوا الأذيّةَ بذلك الكلام ردّ الله تعالى عليهم : « و الذينَ يُؤْذونَ رَسولَ الله لَهُمْ عَذابٌ أَليمٌ » .

فأنت ترى أنّ الحوار موجَّه و هادف لإثبات الحقّ ، و عمَلِيٌّ يقوم على تفريغ موقف الحوار من الأفكار الجاهزة المتحكِّمة ، و هو المبدأ الذي تنصّ عليه الآية : «وَإنّا أوْ إيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أو في ضَلالٍ مُّبينٍ »[58] .

فالحوار أسلوب لغويّ من الأساليب السّياقيّة ، يصل المتحاورين بموضوع الكلام وصلاً عمليّا مباشرا و يُرسِّخه في أذهانهم ترسيخا ؛ لأنه ضربٌ من الإثارة التي تستتبع الانتباه . و قد ساق القرآن الكريم آيات كثيرة تعالج قضية العقيدة بأسلوب الحوار، على لسان بعض الأنبياء الذين حَرَصوا على إثارة أسئلة تنبّه أقوامَهم على انحراف مُعتقَدهم، من ذلك قولُه تعالى : « وَ لَئِنْ سَألْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ و الأرْضَ و سَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيَقولُنَّ الله، فأنّى يُؤْفَكونَ »[59] ، فالآية تشير إلى أنّ مُساءلتَهم عن قدرةِ الله وخَلْقِه وتسخيره أسلوب يفتح المجالَ للحوارِ و الإقرار بقدرة الله ، و يفتح الأعين على ضلال تصوّرِهم للألوهيّة . و مثل هذه الآية في أسلوب الحوار بالمُساءلة كثير في القرآن الكريم.

و هناك نوع من الأسئلة التي تُثار مع الأنبياء و لكنّها غير مناسبة لسياق المرحلة ومقتضيات الدّعوة، فجاءت محاورة النبي صلى الله عليه و سلم لقومه صرفاً لهم عن مثل هذه المواضيع التي تَخرُج عن السّياق العمليّ الجديد ، و تذكّر بالمواضيع المناسبة، كقوله تعالى: «وَ يَسْألونَكَ عَنِ الرّوحِ ، قُلِ الرّوحُ مِنْ أمْرِ رَبّي و ما أوتيتُمْ مِّنَ العِلْمِ إلاّ قَليلاً»[60] فالسياق العمليّ الجديد ليس في السؤال عن الروح ، و لكن في الإعداد لها . و قد تكرّر هذا الأسلوب كثيرا و فيه صرف للسائل إلى ما ينبغي أن يصرفَ إليه همَّه .

و هناك نوع آخر من الأسئلة يُوجَّه النبيّ صلى الله عليه و سلم إلى لقائه ، ثم يوحَى إليه الجواب ليُلقِيَه إلى قومه بيانا منه أنه معروف مقرَّر لا يحتاج إلى تأمل ، نحو قوله تعالى: « قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الله آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ »[61] .

* اخْتِلاف مَعاني الألفاظ المعجميّة لاختلاف السّياق :

قد يكون للدّالّ أكثرُ من مدلول ، و يتحدّد المدلول وفقَ السياق اللّغويّ ، ويرى بعض اللغويين الغربيين أنّ للكلمة أكثرَ من معنى سواء أكان هذا المعنى حقيقيا تصريحيّا أم كان مجازيا إيمائيا ، و ذلك بالنظر إلى التّداعيات الدلالية التي يمكن أن تُحدِثها الكلمة في أثناء الاستعمال، فأي كلمة قد تستدعي قيما اجتماعية و ثقافية أو انفعالية ، تعكس صورة قائلها و تحدّد بعض ملامحه النفسية[62] ، و لا يمكن استخراج المدلول المقصود من بين المدلولات المحتمَلة إلا بعرض الكلمة على السياق و إخراجها من عُزلتها المُفترَضة والكشف عمّا تتلفّع به من الحالات النفسية و الظّلال الدّلاليّة و التّجارب البشرية والرّصيد التّاريخي الطويل .

و لقد وردت في القرآن الكريم أفعال كثيرة تتّخِذ معاني مختلفةً بحسب مواقعها من السياق ، فليس مَعنى الكلِمة المعجمِيُّ هو المعنى الرّئيس ، كما درج على تقريرِه اللّغويّون وعلى تصوّرِه علماء المعجم، عندما بنوا معاجِمَهم على وحدة محدَّدة هي الكلمة ، و لكنّ لكلّ كلمة معانِيَ شتّى ، عالِقةً بها ، و السياق هو الذي يستدعي المعنى المناسب من بين تلك المعاني الكثيرة . إنّ الكلمةَ مَعِينٌ من الدّلالات التي لا تنضُب، ولا ينبغي استئصالُها من مساقاتها و الادّعاء أنّ لها معنى رئيساً و معانِيَ فرعيّةً ، و سأورِدُ بعضَ الشَّواهدِ و الأمثلةِ على سبيلِ التّطبيق :

- و من هذه الكلمات الأفعالُ التي سمّاها النّحاةُ نواسخَ، فحدّوها حدّاً و عَدّوها عدّاً، ولكنّهم تركوا منها أفعالا أخرى مثل فعل "أتى" ، فهو فعل تامّ ولكنّه قد يأتي في سياق النواسخ ، وذلك نحو قوله تعالى : « اِذْهَبوا بِقَميصي هذا فألْقوهُ عَلى وَجْهِ أبي يَأتِ بَصيراً»[63]، فقد ورد هذا الفعل هنا بمعنى "صارَ" أو "انقلب" ، وهو استعمال خاص في هذا الموضع، مختلف عن المعنى المُتداوَل المشهور عند أصحاب اللغة، وهو معنى المجيء، وقد ورد هذا المعنى في الآية نفسِها : « اِذْهَبوا بِقَميصي هذا فألقوهُ عَلى وَجْه أبي يَأْتِ بَصيراً و أْتوني بِأهْلِكُمْ أجْمَعينَ »[64] ، فقد جاء فعل "أتى" في الآية الواحدة مرَّتَيْن بمعنيَيْن مُختلِفين ، و السّياقُ يميز بين المعنيين .

- و من هذه الكلمات فعلُ "صار" الذي يأتي ناقصا و يأتي تامّاً بمعنى "رجع" نحو قولِه تعالى : « ألا إلى الله تَصيرُ الأمورُ »[65] .

- و مما دلّ على أكثرَ من معنى أيضا : فعلُ "عاد" الذي ورد بمعنى العودة وبمعنى "صار"، نحو قوله تعالى : «قالَ الملأ الذينَ اسْتَكْبَروا مِنْ قَوْمِه لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والذينَ آمَنوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أو لَتَعودُنَّ في مِلَّتِنا»[66]

- و جاء فعلُ "ارتدّ" بمعنى الارتداد و بمعنى "صار" ، نحو قولِه تعالى: «فَلَمّا أنْ جاءَ البَشيرُ ألْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصيراً»[67] .

و الأفعالُ التي ورَدَت بأكثرَ من معنى واحدٍ في القرآنِ الكريم كثيرةٌ جدّاً ، وكذا الأسماء وحروفُ الجرّ .

* التّعدُّد و الاحتمالُ في معاني النّصّ القرآني بحسب معطيات السّياق :

قد يتعدّد المعنى من خلال ما يفيده السياق اللغوي للآيات ، و يقود هذا التّعدّد إلى تعدّد في الإعراب . و من أمثلة الاحتمال و التعدد قولُه تعالى : « و قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ وكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هذِه الشَّجَرَةَ فَتَكونا مِنَ الظّالِمينَ، فأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فأخْرَجَهُما مِمّا كانا فيه »[68] . يَحتمِل الضّمير "ها" في قولِه "وكُلا مِنْها" إعرابَيْنِ اثنيْنِ بحسب المعنى الذي يُفيده السّياق اللّغوي؛ أحدُهما عَود الضّميرِ على أقرب مذكورٍ و هو الشّجرة ، فيكون المعنى : فَحَمَلَهُما الشّيطان على الزّلّة بِسببِها، وتكونُ "عنْ" تُفيد معنى السّببيّة[69] .

و الثّاني عَوْدُه على "الجنة" لأنّها أول مذكور[70] ، و قيل إن الضميرَ عائد على غيرِ مذكورٍ يُفهم من المعنى الحاصل من السياق ، و هو معنى "الطّاعة" ، بدليل قولِه تعالى: «وَ لاتَقْرَبا» ، و المعنى : أطيعاني بِعدم قربان هذه الشجرة ، فعاد الضّمير على معنى الطّاعة المُتحصِّل من السّياق[71]، وقيل أيضا إن الضمير يعود على الحالة التي كانوا عليها من التّفكُّه و رغد العيش، بدليل قولِه تعالى : «وَكُلا مِنْها رَغَداً» .

* التّقديمُ و التّأخير و السياق :

التّقديم و التّأخير باب من العلم في البلاغة يَتعلّق بتقديم لفظ على آخر و تحويلِه عن مكانِه الأصلي، و سنّة من سنن العرب في كلامها، و سبيل « إلى نقل المعاني في ألفاظِها إلى المخاطَبين كما هي مُرتَّبة في ذهن المتكلّم حسب أهمّيّتها »[72] .

و هو لا يُخرِج الشيءَ المُقدَّم من تأخير أو المُؤخَّر من تقديم عن حُكمِه الإعرابي الذي كان له في الأصل ، و لكنّه قد يُخرجه عن حكمه البلاغي الذي كان له إلى حكم آخَر اقتضاه المعنى .

و لهذا الباب البلاغي أهمية بالغة ؛ إذ لا يتمّ تقديم كلام على نية التأخير أو تأخيره على نيّة التّقديم عبثا ، بل لبواعثَ موجبةٍ تُخرج الكلام في صورة أبلغ و أفصحَ .

و قد درس علماء البلاغةِ والنّحو والتّفسير التّقديمَ و التّأخيرَ في كتاب الله تعالى، وقدّموا نماذجَ عَمليّةً تُفيد قيمة هذا البابِ البلاغيّةَ و الدّلاليةَ ، منها قولُه تعالى: «وَلا تَقْتُلوا أوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ، نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإيّاكُم، إنّ قتْلَهُم كان خِطْئاً كَبيراً»[73] ، أي خَوْفَ إقْتارٍ وفَقْرٍ ، في حالةٍ ، و هو إخبار عن العرب ؛ لأنهم كانوا يَئِدون البناتِ خشيةَ العار، وربما قتلوا بعض الذّكور خشية الافتقار و العَيْلَة ، فوعظهم الله في ذلك و أخبرهم أنّ رزقهم ورزقَ أولادهم على الله . فالآية الكريمة دالّة على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالد بولده لأنه نهى عن قتل الأولاد، كما أوصى الآباء بالأولاد في الميراث، خلافا لِما كان عليه أهل الجاهلية من عدم إيراث البناتِ و مِن قتلهِنّ ، فنهى الله تعالى عن ذلك و قال: «ولا تَقْتُلوا أوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إمْلاقٍ» أي خوفَ أن تَفتقِروا في ثاني الحالِ ، و لهذا قدّم الاهتمامَ برزقهنّ فقال : «نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإيّاكُمْ» .

أمّا في سورة الأنعام فنجد قولَه تعالى : «و لا تَقْتُلوا أوْلادَكُمْ مِّنْ إمْلاقٍ»[74] ، فقد قدّم رزقَ الوالِد على الولد، وهو خطاب للفقراء المقِلّين ، أي لا تقتلوهم من فقرٍ بكم ؛ فحسُن «نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ» أي نرزقكُم ما يزولُ به إملاقكم ، ثمّ قال : «و إيّاهم» أي نرزقكم جميعا، خلافا للآية السّابقة التي قدّم فيها رزق الولَد على رزق الوالد ؛ لأنها خطاب للأغنياء أي خشية فقر يحصل لكم بسببهم[75] ، و الخشية إنما تكون ممّا لم يقع ، فكان رزق أولادهم هو المطلوب دون رزقهم لأن رزقَهم حاصل ؛ فكان أهمَّ فقدَّم الوعدَ برزق الأولاد على الوعد برزقهم[76] .

و الخلاصة في الفرق بين الآيتين أن الباعثَ على القتل في قوله «مِنْ إمْلاقٍ» الإملاقُ النّاجِزُ ، و الباعث على القتل في قولِه : «خشيَةَ إمْلاقٍ» الإملاقُ المُتوَقَّع[77]، وهذا الفرق بين الآيتين إنما هو فرق بين معنيين سبَّبَهما تقديم اللفظ أو تأخيرُه .

 

 

* أثرُ السّياقِ في بيانِ مقاصدِ التّنزيل و دفع شُبهة التّأويل :

يقع كثير من النّاس في الوهم و الخطأ عندما يعمدون إلى تفسير بعض الآيات بالظّاهر تفسيرا يتعارضُ و حقيقةَ ما أنزِلت بسببه، فمن ذلك تفسيرهم لففظ "التّهلُكة" في قوله تعالى : «وَ لاَ تُلْقوا بِأيْديكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ»[78] باقتِحامِ ميادينِ القتالِ و منازلةِ العدوّ، ومن ذلك ما رُوِيَ عن المغيرة[79] ؛ قال : بعث عُمرُ بن الخطّابِ جيشا فحاصروا أهلَ حصن وتقدّم رجل من بجيلةَ فقاتل فقُتِل فأكثر النّاس فيه يقولون : ألقى بيده إلى التّهلكة ، فبلغ ذلك عُمرَ رضي الله عنه فقال : كذَبوا ، أليس الله عزّ وجلّ يقول : « و مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْري نَفْسَه ابْتِغاءَ مَرْضاةِ الله ، و الله رَؤوفٌ بِالعِبادِ»[80] ، فأنت ترى كيف أنّ عُمرَ رضي الله عنه صحّح ما علِق بأذهان النّاس من معنى هذه الآية ، و ذلك بوضعها في سياقها، وأعطاهم أنموذجا قويا و نهجا سليما في فهم معاني الآيات .

لقد وردت هذه الآية في سياق معين لا ينبغي عزلها عنه و الاستدلال بها على ظاهر اللفظ ؛ فإن الاستدلال بها مُقتبَسَةً من القرآن الكريم إخراجٌ لها من سياقها الذي وردت فيه و إكراه لها على إفادة معنى لا تعنيه ؛ فقد وردت مسبوقةً بآيات في القتال وعدمِ إمساك اليد عن الإنفاق ؛ لأن الإمساك هو منتهى التّهلُكة؛ قال الله تعالى : «وقاتِلوهُم حَتّى لا تَكونَ فِتْنَةٌ و يَكونَ الدّينُ لله، فإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلاّ عَلى الظّالِمينَ، الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ و الحُرُماتُ قِصاصٌ ، فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ ، و اتَّقوا الله و اعْلَموا أنَّ الله مَعَ المُتَّقينَ ، وأنْفِقوا في سَبيلِ الله و لا تُلْقوا بِأيْديكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ و أحْسِنوا ، إنَّ الله يُحِبُّ المُحْسِنينَ »[81] . ففيه الأمر بالإنفاق في سبيل الله أي في طريقه الذي أمَرَ أنْ يُسْلَك فيه على عدوّه من المشركين لجِهادهِم ؛ فإن الله يُعوِّضُ المُنْفِقين أجرا و يرزقهم عاجلا ، فإن تركوا النفقةَ عرَّضوا الجهاد للخطر؛ لأنه يحتاج إلى تجهيز بالمال و العتاد ، و لذلك سُمّي البخلُ هلاكا و تهلُكةً ، و هو في الأصل انتهاءُ الشيء إلى الفساد ، ثمّ يأمر الله الأمّةَ بالمزيد من البذل و العطاء : «وأحْسِنوا إنّ الله يُحِبُّ المُحْسِنينَ » .

 

 

* المُناسبة بين آيات القرآن الكريم :

معرفةُ المناسبات بين الآيات مظهر من مظاهر مراعاة السّياق في الفهم و التفسير، وهو موضوع ألّف فيه العلماء ، و فائدته جعل أجزاء الكلام بعضها مرتبطا ببعض حتّى يصير التّأليفُ كحالِ البناء المُحكَم المتلائم الأجزاء ن و قد قلّ اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقّتِه ، و ممّن أكثر منه الإمام فخر الدّين الرازي ، و قال في تفسيره : أكثرُ لطائف القرآن مُودَعَةٌ في التّرتيبات و الرّوابط .

و هذا و يُشترَط في حسن ارتباط الكلام أن يقعَ في أمر متّحد مُرتبط أوّله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يُشترَط فيه ارتباط أحدهما بالآخَر، و مَن ربط ذلك فهو متكلِّف بما لا يقدر عليه إلا برباط ركيك يُصان عنه حُسن الحديث فضلا عن أحسنه[82]. وأما القول بأنه لا يُطلَب للآيات الكريمة مناسبة لأنها حسب الوقائع المتفرقة ، فالجواب عنه أن نزول الآيات على حسب الوقائع تنزيلا و على حسب الحِكمة ترتيبا، وسوره مرتّبة بالتوقيف. و الذي ينبغي في كل آية أن يُبحَث عن كونِها مكمِّلةً لما قبلها أو مستقلّة، ثُم المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها ، ففي ذلك عِلم جَمٌّ ، و هكذا في السور يُطلب وجه اتِّصالها بما قبلها و ما سيقت له[83] .

و من أنواع ارتباط الآيات بعضِها ببعض تعلُّق الكلام بعضه ببعض وعدم تمامِه بذاته، و هذا النّوع واضح ، و نوع تكون فيه الآية الثانية للأولى على جهة التّأكيد والتفسير أو الاعتراض و التشديد ، و هذا القسم واضح أيضا ، و نوع آخر لا يظهر فيه ارتباط الآية بالأخرى بل يظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى و أنها خِلاف النوع المبدوء به، و مثال ذلك :

- أن تكون الجملة معطوفةً على ما قبلها بحرف من حروف العطف المُشرِك في الحُكم، كقوله تعالى: « يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ و ما يَخْرُج مِنها و ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فيها »[84] و قولِه : « و اللهُ يَقْبِضُ و يَبْسُطُ و إليْه تُرْجَعُونَ »[85] ، و فائدة العطف جعلُها كالنّظيرَيْن و الشّريكينِ

و كقولِه تعالى : « قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُم عَلَيْكُم ألاّ تُشْرِكوا شَيْئاً، و بالوالِدَيْنِ إحْساناً، و لا تَقْتُلوا أوْلادَكُمْ مِّنْ إمْلاقٍ ، نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ و إيّاهُمْ »[86] ؛ عَقَّب سُبحانَه و تَعالى التّكليف المتعلِّق بالوالدين بالتّكليف المتعلقِ بالأولاد لكمال المناسبة[87] .

و قد تكون العلاقة بينهما علاقةَ تضادٍّ ، و هذا كمناسبة ذِكر الرّحمة بعد ذِكر العذاب، و الرغبة بعد الرهبة، وعادةُ القرآن العظيم إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها وعدا و وعيدا ليكون ذلك باعثا على العمل بما سَبَق ، ثم يذكر آيات التوحيد و التّنزيه ليُعلَم عظمُ الآمر و النّاهي ، و القرآن الكريم مليء بهذا المقابلا .

- و قد تأتي الجملة معطوفةً على ما قبلَها و يُشكِل وجه الارتباط ، فتحتاج إلى شرح و تأويل ، لاستكشاف سياق الجمع بين الجملتين ، و من صور ذلك قولُه تعالى: «يسْألونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ، قُلْ هِيَ مَواقيتُ للنّاسِ و الحَجِّ، و ليسَ البِرُّ بأنْ تأتوا البُيوتَ مِنْ ظُهورِها و لَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى ، و أتوا البُيوتَ مِنْ أبْوابِها ، و اتَّقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحونَ »[88] فقد يُقال : أيُّ رابطٍ بين أحكام الأهلّة و بين حُكم إتيان البيوت ؟ وجه اتّصالِه بِما قبله أنهم سألوا عن الأمْرين ، و أنهم لَمّا سألوا عمّا لا يعنيهم و لا يتعلّق بعلم النّبوّة، و تركوا السّؤال عمّا يعنيهم و يختص بعلم النّبوّة -فإنه عليه الصلاة و السلام مبعوث لبيان الشرائع لا لبيان حقائق الأشياء- عَقّبَ بإجابتِهم عمّا سألوا تنبيها على أن اللائق بهم أن يسألوا مثلَ ذلك و يهتمّوا بالعلم به ، و إما على سبيل الاستعارة التمثيليّة بأن يكون قد شبّه حالَهم في سؤالِهم عمّا لا يهمّ و تركِ المهمّ بحال مَن ترك الباب و أتى مِن غير الطّريق، للتّنبيه على تعكيسهم الأمر في هذا السؤال، و المعنى : و ليس البر بأن تعكِسوا مسائلَكم و لكنّ البر مَن اتّقى ذلك و لم يجترئ على مثلِه، و أتوا البيوت من أبوابها ؛ إذ ليس في العدول بِرّ فباشِروا الأمور من وجوهها و اتّقوا الله في تغيير أحكامِه و الاعتراض على أفعاله لعلكم تفلحون ، و يجوز أن يكون الجامع بينهما أن الأول قولٌ لا ينبغي و الثّاني فعلٌ لا ينبغي[89]  

و هناك مظهر آخر من مظاهر المناسبة بين الآيات : و هو مناسبة صدر السورة أو أوائل الجمل لِما يعقبها من كلام ، أو ما يمكن أن يُدعى بالاستهلال أو الافتتاح، حيث يكون الكلام المُستهَلّ به ذا أهمّيّة و عناية و تركيز ، مما يؤثّر في أجزاء الكلام اللاحق، و يستحق بذلك التقديمَ و الاستهلال؛ و قد ذكر العلماءُ الحكمةَ في افتتاح سورة الإسراء بالتسبيح و افتتاح سورة الكهف بالتحميد؛ أن التسبيح حيث جاء مُقدَّم على التحميد؛ يُقالُ: سبحان الله و الحمد لله ، و أن سورة الإسراء افتُتِحت بحديث الإسراء و هو من الخوارق الدّالّة على صدق النبوّة و الرسالة ، و التّسبيحُ تنزيهٌ لله تعالى عمّا صدر عن الكفّار من تكذيبٍ بشأن الإسراء تكذيبَ عنادٍ ، فنزَّه نفسَه قبل الإخبار بهذا الذي كذّبوه . و أما سورة الكهف فإنه لمّا احتَبَس الوحي و أرجف الكفّار بسسب ذلك أنزلَها الله ردّاً عليهم و أنه لم يقطع نِعمَه عن نبيّه صلى الله عليه و سلم ، بل أتمّ عليه بإنزالِ الكتاب ، فناسب افتتاحَها بالحمد على هذه النّعمة[90] .

و أما سورة سبأ فلمّا تضمنت ما منح الله سبحانَه داودَ عليه السلام من تسخيرِ الجبال و الطّير و الرّيح و إلانَةِ الحديد ناسب ذلك ما به افتتحت السورة من أن الكُلَّ مُلكُه و خَلقُه ، فهو المسخِّر لها و المتصرِّف في الكلِّ بما شاء، فقال تعالى في أول السورة: «الحَمْدُ لله الذي لَه ما في السّماواتِ و ما في الأرضِ و له الحَمْدُ في الآخِرَةِ»[91] ، فالارتباط واضح بين افتتاح كلٍّ من هذه السور و بما يليها من موضوع السورة و القضايا التي تعالجها .

و هكذا فإن الكلِمةَ الأولى أو الجملة الأولى في أول السورة تُعدّ أمارةً ومعلََما على ما بعدَها ، و هذا مظهر من مظاهر تماسك النص و تناسُب أجزائه[92] . و المُلاحَظ هنا أن السياق اللغوي للنص القرآني ، على أهمّيّته في تفسير معنى الآيات ليس كافيا وحده ؛ بل لا بدّ من مواكبةِ هذا المنهج اللغوي الداخلي لمنهج آخَر خارِجيّ ، و هو المُؤلَّف من عوامِلَ أخرى مساعدةٍ على الفهم و التفسير ، و هي أسباب النزول و مصادر التّاريخ والسيرة، و غير ذلك ... و إذا تعارض المنهجان قُدّم التفسير بالآثار و النصوص النقلية والروايات الصحيحة .

* المناسبة الصوتية لسياق الكلام، و أثرها في بيان المعنى :

لا شكّ أن اللغة العربية من أدق اللغات احتفاظا بالمعاني الفِطريّة للحروف ، أي بحركة الإنسان الأول في الإشارة إلى المعاني ؛ ذلك أن كثيرا من الحروف لها دلالة في ذاتها قبل أن تقترن بغيرها من الحروف ؛ فمن ذلك دلالات النداء و التعجب و التأوّه والأنين و الإشارة و التنبيه و غير ذلك من المعاني التي تدعو إليها معاناة الحياة الفطرية الأولى[93]؛ فالنداء يعتمد على أصوات الحلق المقذوفة من الجوف مُطلَقَةً في الهواء لتبلُغَ بالصوت أقصى ما يُطيقه تدافُع النّفَس ، و كذلك الإشارةُ و التّنبيه يتطلَّبان من صاحِبَيهِما إرسال الصوت خارجا من الحلق إلى المُشار إليه أو المُنبَّه ، و هكذا في أكثر الحروف المجرَّدة: فالهمزة الممدودة هي الصدى الصوتي الذي يراد به التنبيه و الإشارة و النداء، وحروف النداء تعتمد على الهمزة ، أما الياء الممدودة فهي تسهيل لمجرى الهمزة و تليين لها، و تأتي الهمزة للدلالة على الاستفهام و التعجُّبِ من طريق الاستفهام، و تثبُتُ الهمزة في أول التعجب كقولِك : "ما أكرمه" و "هو أكرم من فلان" ، و يشترك مع الهمزةِ حرفُ الهاء، و احتفظت العربيّةُ بالهمزة في أكثر حروف الاستفهام نحو أين و أنّى . و أما الهاء فأكثر مَوْرِدها على التنبيه و الدلالة و الإشارة ، مثلما وقعت في أسماء الإشارة "هذا وهذه وهؤلاء" و ما كان نحوَهنّ ، و في ضمائر الرفع المنفصلة التي تدلّ على الغيبة نحو "هو وهي وهما و هم و هنّ" ، التي فيها معنى الإشارة إلى الغائبين .

هذا ، و قد ذكر العلماء و الباحثون لكل جمهور من حروف العربية مجرىً ودرباً تتفرع منه شُعَبُه و يسهل معه الإبانة عن الأصوات و حكايتها و أسمائها، التي جعلتها اللغةُ لها في أعمال الإنسان و الحيوان و الجماد[94] .

و إذا توالت الأصوات، مع ما في كلّ صوت من معنى فِطريّ غُفْلٍ ساذَج نشأ معه بغير صنعة، أعطت سِياقاً صوتيا مركَّبا ذا دلالة مركَّبة، و يعدّ السياق الصوتي في الآيات القرآنية مظهرا من مظاهر السياق اللغوي؛ فقد اعتنى القرآن الكريم باختيار الأصوات الدقيقة المناسبة للأحوال الدلالية المختلفة؛ لأن للأصوات و الحروفِ حرارةً و توهّجا يضيء المعنى المراد ؛ فكانت كل كلمة بما تتألف به من أصوات، مُناسِبةً لصورتها الذّهنيّة؛ فما كان يستلذّه السّمعُ و يستميلُ النّفْسَ فحظّه من الأصوات الرّقّة و العذوبة، وما كان يُخيفها و يُزعجها فحظّه من الأصوات الشّدّة، و هذا التّناسب الصّوتي بين اللّفظ والمعنى وسيلة سياقية من وسائل تنبيه مشاعر الإنسان الباطنة و استثارة المعاني النفسية المناسِبة للموقف الخارجي .

أ- الصَّوتُ و المَعْنى، دراسة تطبيقية :

و إنّ للصوت القرآني[95] ، إذا ما نُطق به فصيحا بصفاته و من مخرجه المناسب[96]، صدى دلاليا يُشيع جوّاً خاصّاً من المعاني و حقلا دلاليا مخصوصا:

-دلالة الفزع و الأصوات المناسبة لها : "صَرَخَ" و "اصْطَرَخَ" : استعمل القرآن الكريم للدلالةِ على الفزع ألفاظا معيّنة ذات أصوات مخصوصة، منها مادّة "صرخ" التي اشتقت منها كلمات مثل الصرخة ، و هي الصّيحة الشّديدة عند الفزع أو المصيبة، والصراخ الصوت الشديد[97] ، و ما يُرافق الصراخَ من الاستغاثة اليائسة التي لا تجد أذُنا صاغية ، كما في قوله تعالى : « وَهُمْ يَصْطَرِخونَ فيها: رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً»[98] أي يستغيثون بشدّة وعويل و صوت مرتفع .

و لأصواتِ هذه المادّة إيقاعٌ شديد؛ فالصاد من حروف الاستعلاء و الإطباق، والطّاء كذلك، و تواليهما في الآية يُقوّي معنى المصيبة الواقعة بهم، و الخاء حرف حلقي جافٌّ غليظ يكون معه الاستعلاء و التّرفّع و يُفيد التّكرُّه و الاستبشاعَ و التّأوّه[99]. وقد وردت موادُّ لغوية توالى فيها الصاد و الخاء مثل الصّخِّ و هو الضّرب بالحديد على الحديد، و العصا الصلبة على شيء مُصمَت، و صخُّ الصّخرة و صخيخها صوتها إذا ضربتَها بحجر أو غيرِه، و الصّاخّة القيامة .

أما الصّرخة فهي الصيحة الشديدة عند الفزع أو المصيبة، و الاستصراخُ الاستغاثة، و اصطرخ القوم و تصارخوا و استصرخوا استغاثوا، و الإصراخ هو الإغاثة و تلبية الصّارخ، و قوله تعالى : «ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ و ما أنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ» تعني التبرُّؤَ المتناهي والإحباط التّامّ و الصوت المُجلجل في الدّفع ، فلا يُغني بعضهم عن بعض شيئا، ولا يُنجي أحدُهم الآخر من عذاب الله ، فلا الشيطان بمغيثهم و هم بمُغيثيه ، و الصريخ في اللغة يعني المغيث و المستغيث معا، فهو من الأضداد؛ قال تعالى : « فَلا صَريخَ لَهُم و لا هُمْ يُنْقذونَ» ، فيا له من موقف خاسر و جهد بائر ، فلا سماع حتى لصوت الاستغاثة، ولا إجارة ممّا وقعوا فيه .

- دلالة المُخاصمة و العناد و الأخذ و الرّدّ، و الأصوات المناسبة لها :

مادّة "شكس" في قولِه تعالى : «ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسونَ»[100] والشُّركاء المتشاكسون هم العَسِرون المختلفون الذين لا يتّفقونن و التّشاكُس معنى يُفيد النّزاعَ المستمرّ بين المتشاكسين و عدمَ استقرارِهم على وضع مُعيّن و لا تَقوى لفظةُ "المتخاصمين" أن تدلّ عليه؛ لأن أصوات التّشاكس وهي الشّين والسّين تُفيد مُجتمِعةً متعاقبةً، معنى التضايُق و التّضادّ[101] ، ثمّ أضيف إليها الميم و التاء و الألف ، فارتفعت حدّة الجدال بين المتجادلين .

ب- التّنغيم و المعنى: دراسة تطبيقيّة :

التّنغيمُ تنوّع صوتيّ يتراوح بين الارتفاع و الانخفاض في أثناء النطق، ينظّم علاقة الأصوات المتتالية فتؤلِّف هذه المنظومة الصوتية إطارا صوتيا لأداء الجملة[102]، ويُعدّ التنغيم ظاهرة موقعيةً سياقيّة و قرينةً من قرائن التّعليق اللّفظيّة في السياق[103] ، و الجمل العربية تقع في صيغٍ وموازينَ تنغيميّةٍ هي هيئات من الأنساق النغمية ، كالهيئة التنغيمية لجملة الإثبات أو جملة النفي أو الاستفهام أو التعجب أو الإنكار أو الندبة أو التفجع، فلكل جملةٍ هيئةٌ تنغيميةٌ خاصة بها ، و يدخل في الجملة كلُّ حروفها و عناصرها الصوتية، وتؤلِّف هذه العناصر كلّها منحى تنغيميا للجملة يُعينُ على الكشف عن معناها و يستطيع السامع أن يَفهم مراد المتكلّم استنادا إلى التّنغيم .

هذا و إنّ للقرآن الكريم أغراضا في السياق الصوتي للآيات أو التنغيم المصاحب لأدائها، منها التنبيه و الوعد و الوعيد و النهي ، و وصف الجنة و النار و الرّدُّ على الكفار والمشركين و محاورةُ أهل الكتاب... و ليس من المناسب أن تُقرأ هذه الأغراض كلُّها بتنغيم واحد، بل يكون لها بحسب كلٍّ فهمٍ حالٌ . و قد تحدّث الزركشي (ت.794هـ) في كتابه "البرهان" عن وجوه المخاطبات في القرآن ، قال : « فمَن أراد أن يقرأ القرآن بكمال التّرتيل فلْيَقْرَأه على منازِلِه ؛ فإن كان يقرأ تهديدا لفَظَ به لفظَ المتهدّد ، و إن كان يقرأ لفظ تعظيمٍ لَفَظَ به على التعظيم »[104] .

و ينبغي للقارئ إذا أراد أن يُحسن تلاوة القرآن الكريم أن يستعين على ذلك «بأن تكون تلاوتُه على معاني الكلام و شهادةِ وصف المتكلّم من الوعد بالتشويق والوعيد بالتخويف والإنذار بالتشديد، فهذا القارئ أحسن الناس صوتا بالقرآن ، و في مثل هذا قال تعالى: «الذينَ آتَيْناهُمْ الكِتابَ يَتْلونَه حَقَّ تِلاوَتِهِ أولئِكَ يُؤْمِنونَ بِه»[105] . فمن منازل القراءة أنّ التنغيم الباكي مناسب لآيات الاستغفار و التوبة ، و التنغيم الحاضَّ المُحرِّضَ مناسب لآيات القتال ، و كلّ ضرب من التنغيم يجب أن يُرافق المعنى الذي يناسبُه و يُظهِره، ليَجعَل المقروء مستقرا في ذهن السامع و قلبه .

و قد ترد أنماط تركيبية تحتمل أكثر من معنى ، كأن يَحتَمِل التركيب الواحدُ المُصدَّر بـ"ما" معنيينِ هما الاستفهام و النفي ، كما في قولِه تعالى : «قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أرادَ بِأهْلِكَ سوءاً إلاّ أنْ يُسْجَنَ أو عَذابٌ أليمٌ»[106] يَحتمِل حرف "ما" معنى النفي فيكون الأسلوبُ إخبارا مؤكَّدا بالحصر ، و يحتمل معنى الاستفهام لغير العاقل فيكون الأسلوبُ استفهاما[107] ، و لا يخفى أن التنغيم الذي يقتضيه الأسلوب الأول يختلف عمّا عليه الأسلوب الثاني ، أما المعنى فيتوقّف على طبيعة الأداء الصوتي و الهيئة التنغيمية، و ليس بين المعنيين في الآية تعارضٌ .

و قد يتعدد المعنى بسبب مساقات الكلام ، من ذلك قوله تعالى: «وَقالَتِ اليَهودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلونَ الكِتابَ»[108] ، يَحتمِل من سياق التاريخ أن يكون المرادُ عامّةَ اليهود و عامّةَ النصارى ، و هو إخبار عن الأمم السالفة التي كذبت بالرسل والكتب من قبلُ ، و بهذا تكون "أل" تفيد استغراق الجنس استغراقا عُرْفِيّا[109] . و قيل إن المرادَ يهودُ المدينة و نصارى نجرانَ الذين تماروا عند الرسول صلى الله عليه وسلم وتسابّوا فأنكرت يهودُ المدينة الإنجيلَ و نبوّةَ عيسى عليه السلام، و أنكرت نصارى نجران التّوراةَ و نبوّةَ موسى عليه السلام ، فإذا تَرجَّح أنّ الآيةَ نزلت حاكيةً أحوالَ اليهود والنصارى في الخلاف بينهما حول نبوّةِ نَبيّيْهِما ، تَبيَّن من السياق أن هذا الأمرَ هو حكاية حالٍ حصَل في زمن الرسول صلى الله عليه وسلّم[110] وتكون "أل" تُفيد العهديّة الذّهنيّة؛ لأنّه معهودٌ ذهناً من اليهود و النصارى .

و يدخل في هذا التأويل الثاني نفسِه أيضا أن المرادَ بذلك رجُلان ، أحدهما من اليهود قال لنصارى نجران : لستم على شيء، و الآخر من نصارى نجران قال لليهود: لستم على شيء ، فيكون الكلام قد وقع من بعضهم على بعض ، و جرى الحكم بعدم العلم عليهم جميعا[111] ، و بذلك لا يختلف الأمر عمّا قبلَه مِن إفادة حال حاضرةٍ .

ج- الوقف و المعنى : دراسة تطبيقية :

يتصل الوقف في القرآن الكريم بالمعنى و السياق اتصالا وثيقا ، و ممن أفرد له تأليفا خاصا أبو بكر الأنباري (ت.328) صاحبُ كتاب "إيضاح الوقف و الابتداء في كتاب الله عز وجل" ؛ فقد ربط الوقفَ بالمعنى و بالفهم للقرآن ، قال في ذلك : « ومِن تمام معرفة إعراب القرآن ومعانيه و غريبِه معرفةُ الوقف و الابتداء فيه ؛ فينبغي للقارئ أن يعرف الوقفَ التّامّ و الوقفَ الكافي الذي ليس بتامّ و الوقفَ القبيحَ الذي ليس بتامّ ولا كافٍ»[112] .

و من الأمثلة التي ذكَرها : « أنه لا يتمّ الوقف على المضاف دون ما أضيف إليه، ولا على المنعوت دون النعت، و لا على المرفوع دون الرافع »[113] ، و بالجملة فإنه لا يجوز الفصل بين المتلازمين بالوقف على أولهما .

و ممّن أدرك أهمية الوقف و اتّصاله بالمعنى الحافظُ ابنُ الجزري الدّمشقي (ت.833هـ) ، فقد فصّل القولَ في أنواع الوقف ، و ردّ على مَن تكلَّف الوقف في بعض المواضع تعسُّفاً ، و بيَّن أنه ينبغي تَحَرّي المعنى الأتمّ و الوقفِ الأوجَه ، كالوقف على قوله تعالى : « و لا يحْزنْكَ قَوْلُهُمْ »[114] و الابتداء بعدَه بقولِه : « إنّ العزّةَ لله جميعا »[115]، فالوقف الذي يُراعى فيه المعنى يكون على الكلمة التي يتمّ بها معنى ما قبلها و لا تتعلق بما بعدها لفظا و لا معنى ، و غالبا ما يكون في أواخر الآيات و نهاية القصص وأواخر السور، مثلما أنّ الابتداء بما له تعلق بما قبلَه يفسد المعنى ، و ذلك لشدّة تعلّقه بالسابق؛ والمثال على ذلك أنه لا يُبتَدأ بقوله تعالى : « فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤمِنين »[116] و قوله : «اتّخذ الله ولدا»[117] و قوله : «نحن أبناء الله و أحباؤه»[118] .

***

يتبين في آخر المطاف أن فهم القرآن الكريم و تفسيره لا يتمّ إلا في ظل السياق العام بنوعيه الداخلي و الخارجي ، و لا يحصل هذا الفهم و لا ذلك التفسير إلا بمعاينة تطبيقية للآيات بمنهج كشّاف يكشف تفاصيل المعاني المحيطة بالآية ، و يسهم في بناء الصورة العامة للمعنى .

هذا و قد استُعرِضَ في هذا البحث طرُقٌ و أمثلةٌ و إجراءات تطبيقية لكيفية تحكيم منهج السياق في فهم القرآن و تفسيره، و هو منهج لساني لغوي يُسهم في استخراج كوامن الآيات و بيان مقاصد الخطاب ، سواء تعلقت هذه الإجراءات التطبيقية بالأصوات أو الكلمات المعجمية و الصرفية أو العبارات التركيبية أو النصوص الطويلة .

فالمنهج اللّساني الحديث يُقدّم في فهم نصوص القرآن الكريم فهما متكاملاً يؤدّي إلى وضع النّصّ القرآني في إطاره العامّ الذي نتج به أوّل مرّة ، و يمكن أن تقدم اللسانيات منهجا في الفهم المتكامل هو المنهج السياقي في مستوياته اللغوية المتعددة النحوية والصرفية و المعجمية و البلاغية ، التي تُرشد في فهم مراد المتكلّم و مقاصده العليا بقرائن نصّية لفظية و معنوية ، و يضاف إلى السياق اللغوي الدّاخلي سياق آخَر هو سياق الحال أو المقام أو ما يتّصل به من عناصر الحال و الزمان و المكان والمتكلم والمخاطب.

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 



[1] انظر بسط الكلام عن هذه المرحلة، في كتاب "الفكر الدّيني في مواجهة العصر، دراسة تحليلة لاتجاهات التحليل في العصر الحديث"، د.عفت محمد الشرقاوي، دار العودة، بيروت، ط.1 ، 1979، ص:18-49 .
مثل تفسيره لقصة أهل الكهف (4/159) و ما أورده من إسرائليات و موضوعات ... [2]
[3] انظر كتاب : "مع المفسّرين و الكُتّاب" ، أحمد محمّد جمال ، دار الكتاب العربي 1954م ، و انظر ردّ الأستاذ النّجّار الذي ترجم كتاب جولد تزيهر على صاحب الكتاب ، و انظر كتاب "الفكر الدّينيّ في مواجهة العصر " د. عفت الشرقاوي .
[4] طبعة دار الكُتب الحَديثة، بيروت، 1962م .
[5] انظر كتاب: "كيف نتعامل مع القرآن العظيم" الدّكتور يوسف القرضاوي، دار الشّروق، بيروت، ط.2، 1420هـ-2000م، ص: 63
[6] انظر : "في فقه التّدين فهما و تنزيلا" : 1/124-125
[7] انظر في تفصيل الكلام عن الصياغة الغربية لعلم الاجتماع، كتابَ "الصّياغة الإسلامية لعلم الاجتماع: الدّواعي والإمكان"، ذ. منصور زويد المطيري، كتاب الأمة، ع:33، ربيع الأول 1413هـ ، ص:40-41
[8] "مذاهب فكرية معاصرة" ذ. محمّد قطب، دار الشّروق، ط.1 ، ص:458
[9] "الصّياغة الإسلاميّة لعلم الاجتماع ،الدّواعي والإمكان" ص:132-133 .
[10] النّساء : 59
[11] هود : 117
[12] القَصَص : 58
[13] للتّوسّع في هذا الموضوع، انظر : "السُّنَن الإلهية في الأمم والجماعات و الأفراد في الشّريعة الإسلاميّة" د. عبد الكريم زيدان، مؤسسة الرّسالة، ط.1، 1413ـ-1993م
[14] انظر بسطَ القضية في كتابِ : "رؤية إسلاميّة في قضايا معاصرة" د. عماد الدّين خليل، كتاب الأمّة، ع:45، المحرَّم1416هـ، مايو1995م
[15] القمر : 49
[16] الشّورى : 27
[17] البقرة : 170
[18] المائدة : 140
[19] الأعراف : 28
[20] الأعراف : 95
[21] يونس : 78
[22] لقمان : 21 .
[23] فُصِّلت : 53
[24] انظر "البُعد المصدري لفقه النّصوص" د. صالح قادر الزّنكي، كتاب الأمّة، ع:113، جمادى1 1427هـ / مايو-يونيو2006 .
 
[25][25] توصَّل علماءُ الدّلالة في العصر الحديث إلى تصنيف المدلولات بالاعتماد على عدّة طرق: الطريقة الشكلية أو الاشتقاق الصرفي، والطّريقة السّياقيّة، و الطّريقة الموضِعِيّة (تصنيف المدلولات بحسب موضع الكتكلّم وموقفه)، و الحقول الدّلاليّة (القَرابة الدّلاليّة بين المدلولات)،والتَّحليل بالمُؤلِّفات التي تتألّف منها الكلمة . انظر في تفصيل هذِه الطّرق: "مدخل إلى عِلم الدّلالة الألسنيّ" موريس أبو ناضر، مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، ع:18-19، مارس1982م .
[26] انظر بسط الموضوع في كتاب : "منهج السّياق في فهم النّصّ" د. عبد الرحمن بودرع، كتاب الأمة، ع:111، المحرّم1427هـ-فبراير2006م
[27] النحل : 44
[28] انظر في تفصيل الكلام عن هذا الشّرط كِتابَ : "محاسن التأويل" محمّد جمال الدّين القاسمي (ت.1332هـ) تح. محمّد فؤاد عبد الباقي، ط.2، بيروت، دار الفكر، 1398هـ-1978م ، 1/236 .
[29] انظر أمثلة من الكلمات التي لها مدلولات جديدة غير مدلولاتها التي كانت لها في العصر الأول ، في كتاب : "كيف نتعامل مع القرآن العظيم" د. يوسف القرضاوي، ص:232 .
[30] "مجموع فتاوى ابن تيمية" أحمد بن تيمية، جمع و ترتيب: عبد الرحمن بن محمّد بن قاسم، ط. المكتب التّعليمي السّعودي بالمغرب، الرّباط، مكتبة المعارف، 35/395
[31] المرجِع نفسُه : 35/395
[32] يوسف : 24 .
[33] "البحر المحيط" لأبي حيان محمّد بن يوسف، بعناية مجموعة من العلماء منهم زهير جعيد و صدقي محمد جميل، ط.1 ، دار الفكر للطّباعة 1412هـ-1992م : 6/258 ، 9/146 ، 1/536 ، 4/139،415
[34] "كيف نتعامل مع القرآن العظيم" ص:236 .
[35] انظر : الحجّ:30 ، النّحل:36 ، الزّمر:17 ، النّساء:31 ، الشّورى:37 ، النّجم:32 .
[36] "البُرهان في علوم القرآن" أبو عبد الله بدر الدّين الزّركشي، تح. محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، بيروت، 1391هـ، 2/175 .
[37] الدّخان : 49 .
[38] يوسف : 53 .
[39] "تَفسير ابن كثير" أبو الفداء إسماعيل بن كثير، دار الفكر، بيروت، 1401هـ، 2/482 .
[40] "تفسير ابن كثير"، 2/482 .
[41] "كيف نتعامل مع القرآن العظيم" ص:238 .
[42] انظر التّفصيل في "الموافقات" 3/313
[43] و ممّا يتّصل بمفهوم النّصّ عند العلماء العرب مفهومُ "القصد"، وهو غاية المتكلّم من الخطاب و الفائدة التي يرجو إبلاغها للمخاطَب، فلا نصَّ من دون "قصد"، و هذا المفهوم اهتمّ به اللسانيون و الفلاسفة المعاصرون حين تحدّثوا عن مفهوم "المقصدية" (Intentionnalité) في كلام المتكلّم، و منهم ج. ل. أوستين (Austin) و تلميذه ج. سيرل (Searl) في «نظرية الأفعال الكلامية» الت تندرج في إطار العلاقات التّداوليّة. انظر: أبو محمّد مسعود صحراوي، "المنهج السياقي و دوره في فهم النص و تحديد دلالات الألفاظ"، الحلقة (1) مقالة منشورة على موقع: www.chihab.net
[44] انظر في تعريف المتشابه "البُرهان في علوم القرآن" للزركشي، 1/1152 .
[45] ورد هذا المقطعُ في ثلاث وعشرين آيةً أوّلُها الفاتحة .
[46] الأنعام : 45 ، الصّافّات : 182
[47] البقرة : 35 .
[48] الأعراف : 19
[49] الأعراف : 18
[50] البقرة : 49
[51] إبراهيم : 6
[52] إبْراهيم : 5
[53] هناك مراجعُ عَرضت للحوار في القرآن الكريم من حيثُ الأساليب و القواعد و المعطيات العمليّة، و بَحَثت الموضوع من جوانبِه الفكريّة ونماذجِه التّطبيقيّة الواقعيّة ، من أهمِّها كتابُ "الحِوار في القرآن، قواعده، أساليبه، معطياته" للأستاذ محمّد حسين فضل الله، (ط.1 ، بيروت، الدّار الإسلاميّة، 1399-1979) ، و اتّخذ الكِتابُ منحىً فكريّاً و عقليّا و موضوعيا، تاركا العناصرَ اللّغويّة و الجماليّةَ لمؤلَّفاتٍ أخرى .
[54] فُصّلت : 33
[55] النَّحل : 125 .
[56] المُنافقون : 1
[57] التَّوبة : 61
[58] سبأ : 24
[59] العَنْكبوت : 61
[60] الإسراء : 85
[61] الأنعام : 19
[62] "علم الدّلالة"، بيير كيرو، ترجمة د. منذر عياشي، دمشق، دار طلاس، 1988م ، ص:61-...، و "علم الدلالة، أصوله ومباحثه في التراث العربي"، منقور عبد الجليل، دمشق، منشورات اتّحاد كتّاب العرب، 2001م .
[63] يوسُف : 93
[64] يوسُف : 93
[65] الشورى : 53
[66] الأعراف : 88
[67] يوسف : 96
[68] البقرة : 35-36
[69] انظر : البَحْر المحيط، تح. عادل أحمد عبد الموجود و عليّ محمّد معوّض وآخَرين، (ط1. بيروت: دار الكتب العلمية، 1413/1993، 1416/1995) 1/314 .
[70] المصدر نفسُه
[71] المصدر نفسُه
[72] ضوابِط التّقديم و التأخير وحِفظ المراتب في النّحو العربي: المُقدِّمة، رشيد بلحبيب، ط1، الدار البيضاء: منشورات كلية الآداب، وجدة، مطبعة النجاح الجديدة، 1998م .
[73] الإسراء: 31
[74] الأنعام : 151
[75] الإتقان : 2/308
[76] البرهان في علوم القرآن: 3/285
[77] التَفسير أبي السُّعود: 5/169
[78] البقرة : 195
[79] تفسير الطّبري: 2/321
[80] البقرة : 207
[81] البقرة : 193-195
[82] انظر التفصيل في : "البرهان في علوم القرآن" : 1/40-43
[83] البرهان: 1/40-43
[84] البقرة : 193-195
[85] اللبقرة : 245
[86] الأنعام : 151
[87] روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، أبو الفضل محمد الألوسيبيروت، دار إحياء التراث العربي، 8/54
[88] البقرة : 179
[89] تفسير البيضاوي: 1/475، دار الفكر، بيروت، 1416-1996. إرشاد العقل السّليم إلى مزايا القرآن الكريم: 1/203، محمد أبو السعود، دار إحياء التراث العربي، بيروت، روح المعاني للألوسي: 2/74، دار إحياء التراث العربي، بيروت
[90] البرهان في علوم القرآن: 1/39
[91] سبأ : 1 .
[92] انظر التفصيل في : عِلم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق ، د. صبحي إبراهيم الفقي، ج1
[93] انظر الرأي الوجيه الذي ذكره الأستاذ محمود محمد شاكر عن دلالة الحروف على المعاني دلالة فطرية تُفهَم من مجرد التصويت بها: جمهرة مقالات الأستاذ محمود شاكر: 2/717- 724 ، جمع وتقديم: عادل سليمان جمال، ط1، القاهرة، نشر مكتبة الخانجي، الشركة الدولية للطباعة، 2003م
[94] يُنظَرُ في هذا البابِ ما ذكره سيبويه عن المصدر الذي على بناء الفَعَلان (مثل النَّزَوان والقَفَزان والنَّقَزان)، فهو بناء يحكي زَعْزَعةً في البدن واهتزازا متصاعدا، و مثلُه الغَلَيان والخَطَران و اللّمَعان لأنّه اضطراب و تحرّك، و اللَّهَبان و الوَهَجانُ لأنّه تحرُّك الحَرّ و تَثَوُّرُه (الكتاب: 2/218، بولاق، القاهرة) و عَقَدَ أبو الفتح بن جنّي بابا عن حكاية الأصوات لِمعانيها، هو بابُ إمْساس الألفاظ أشباهَ المعاني، أورد فيه أمثلةً عن تلك المصادر الرباعية التي قوبِل فيها توالي حركات الأفعال بتوالي حركات المثال (الخصائص: 2/152-168، تح. محمّد عليّ النّجّار، ط.2، بيروت، دار الهدى للطباعة والنشر) ، بل سجّل لنا ابنُ جنّي رأيَ فريق من العلماء يقول: إنّ أصل اللّغات كلّها إنّما هو من المسموعات كدويّ الرّيح و حنين الرّعد و خرير الماء و شحيج الحمار و نعيق الغراب و صهيل الفرس، ثُمّ وُلِدت اللّغات عن ذلك فيما بعدُ (الخصائص: 1/46-47)
[95] انظر في تعريف الصّوت و مخارج الأصوات و صفاتها، كتابَ : الأصوات اللّغوية: 111-... للدكتور إبراهيم أنيس، نشر مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1979م .
[96] فائدة هذا الشرط هو التنبيه على أن الأصوات الفصيحة التي نزل بها القرآن الكريم و تجلَّت في القراءات المتواترة، ينبغي أن يُحتفَظَ بها عند قراءة القرآن شرطا في صحة الأداء، و إلا فإن النطق الحديث الشّائع بيننا لا يصلح أن يُتّخَذَ وسيلة صوتية لقراءة القرآن الكريم؛ وذلك لأن مخارج الأصوات اليوم قد انتقلت من حال إلى حال أخرى مخالفة، فقد انتقلت الضّاد دالاً، و لم يعد المتكلّم يميز بين الظّاء والزّاي، أو بين الثّاء و السّين، في بعض أقطار البلاد العربية، و لا بين الصاد والسين، و لم يعد كثير من الناطقين يميزون بين الأصوات المتقاربة مَخارِجَ و صِفاتٍ، و قد عُرِفَ هذا الانتقال الصوتي منذ عهد سيبويه الذي قسّم الحروف إلى حروف مستحسنة و أخرى مستهجنة رديئة (الكتاب: 4/431، تح. محمد عبد السلام هارون)
[97] لسان العرب: 3/33، مادة "صرخ"
[98] فاطر: 37
[99] انظر ما نقله ابنُ منظور عن اللّغويين بخصوص الخاء (لسان العرب: 3/3)
[100] الزّمر : 29
[101] لسان العرب: 6/113
[102] انظر بتصرف : المنهج الوصفي في كتاب سيبويه: 260-261 أحمد نوزاد، ط.1، منشورات جامعة قاريونس، بنغازي، 1996م .
[103] اللغة العربية معناها ومبناها: 226، و308، د. تمام حسان، دار الثقافة، الدار البيضاء، 1421-2001 .
[104] البرهان في علوم القرآن: 1/450، لأبي عبد الله الزركشي، تح. محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، بيروت، 1391هـ
[105] البقرة: 121، و انظر: البرهان في علوم القرآن: 2/181، ثُمّ ما قاله د. يوسف القرضاوي في الموضوع، في كتاب: كَيف نتعامل مع القرآن العظيم: 178-...
[106] يوسف: 25
[107] الكشاف عن حقلئق التنزيل وعُيون الأقاويل في وجوه التأويل: 2/433، جار الله الزمخشري، تح. عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت:1417-1997، تفسير البيضاوي: 3/283، فتح القدير الجامع بين فنَّي الرواية والدّراية من علم التفسير: 3/118، محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر، بيروت .
[108] البقرة: 113 .
[109] البحر المحيط: 1/522، تح. عادل أحمد عبد الموجود وعليّ محمد معوض وآخرين، ط.1، دار الكتب العلمية، بيروت،1413-1993، و تفسير الطبري: 1/494-495 .  
[110] البحر المحيط: 1/522 .
[111] نفسه
[112] إيضاح الوقف و الابتداء : 1/108، تح. محيي الدّين عبد الرحمن رمضان، مطبوعات مجمع اللغة العربية، دمشق، 1391-1971 .
[113] نفسه : 1/116 .
[114] يونس : 65
[115] يونس : 65
[116] الأعراف : 132
[117] البقرة : 116
[118] المائدة : 18 .

بـــسم الله الرحمـن الرحـــيـم

 

       محمد بنصالح

 

   وحدة التكوين و البحث

    الفكر الإسلامي

و حوار الأديان و الحضارات

   جامعة القاضي عياض

كلية الآداب و العلوم الإنسانية

         - بني ملال-

 

 

   الاستشراق و القرآن الكريم

   بين الإنصاف و الإجحاف

بحث مقدم إلى:

الدورة العلمية التكوينية "القرآن الكريم و خطابه المتجدد"

تطوان : من 21 إلى 26 نونبر 2006

 

p 1 

 

الاستشراق و القرآن الكريم بين الإنصاف و الإجحاف

توطئة:

          لا يخفى على المراقب للأحداث العالمية الراهنة موقع الإسلام كرقم صعب في المعادلة الدولية، إذ استحوذ هذا الدين الحنيف على اهتمام الأوساط الإعلامية و الأكاديمية، بل و حتى الشعبية، هذه الأخيرة التي ابتلعت الطعم حين انطلت عليها الاتهامات الزائفة و الحقائق المزيفة التي روّج لها أعداء الإسلام في موقف عدائي تبلور عبر مراحل زمنية طويلة تضافرت فيها رؤى المستشرقين و الأنثروبولوجيين و المفكرين و الباحثين و السياسيين الغربيين، لتخلق صورة نمطية حابلة بالأفكار المسبقة و الأحكام الجاهزة حول العرب و المسلمين.

          و لا شك أن من يتسنى له الاطلاع على عناصر هذه الصورة، سيصاب بالدهشة، لما فيها من تشويه مغرض ، يجسدّ وعي الذات للآخر أكثر مما يجسّد حقيقة هذا الآخر، انطلاقا من حالة التمركز المرضية حول الذات الغربية. و هو ما ذهب إليه "نورمان دانييل" حين اعتبر بأن التصور المسيحي للإسلام كان متكاملا و مكتفيا بذاته[1]. و قد تشكل هذا التصور بشكل تدريجي، إذ انطلق من خلال المسيحية الشرقية، ثم اتخذ أبعادا أكثر جدية مع احتدام المواجهة في سباق الصراع التاريخي على المواقع و النفوذ، حيث زعم أن الإسلام "عقيدة ابتدعها محمد(…) تتسم بالكذب و التشويه المتعمد للحقائق"[2]

          و من نافل القول إن الموقف الغربي من الإسلام و القرآن كان يرتكز في أغلب الأحيان - و ما يزال - على ما يقدمه الاستشراق. فتحتَ غطاء الدراسة الأكاديمية و البحث العلمي كان المستشرقون ينفثون سمومهم و يختلقون وقائع مكذوبة عن الشرق المدروس، و الإسلام بالطبع هو قطب الرحى في هذا الشرق المستهدف. و لهذا كان وصف ادوارد سعيد للاستشراق دقيقا حين قال بأنه استجاب في معظم الأحوال " للثقافة التي أنتجته أكثر مما استجاب لموضوعه المزعوم".[3]

          لا تنطبق هذه التهمة الوصمة على الاستشراق الكلاسيكي فقط، و إنما أيضا على الاستشراق المعاصر و الاستشراق الجديد، إذ ليس ثمة من اختلافات جوهرية بينها. كل ما في الأمر هو أن الاستشراق التقليدي غيّر ثوبه ليناسب المرحلة الجديدة بغية مواكبة الصحوة الإسلامية، لذلك كان مؤتمر المستشرقين الدولي الذي انعقد سنة 1973 في العاصمة الفرنسية باريس، آخر مؤتمر دولي يحمل هذه التسمية ، لتصبح التسمية الجديدة "مؤتمرات العلوم الإسلامية الخاصة بمناطق العالم الإسلامي" ، بعد أن كثرت الكتابات الإسلامية التي تنتقد الاستشراق ، فأصبح لهذا الأخير حمولات سيئة بعدما انكشفت عورته و انفضحت حقيقة أهدافه و مراميه.

          لم تتغير التسمية فقط، و إنما تغيرت مواضيع البحث أيضا، فانصب اهتمام "المستشرقين الجدد" - الذين أصبحوا يسمون "خبراء المناطق"- على القضايا المعاصرة، كالصحوة الإسلامية (الأصولية الإسلامية حسب تعبيرهم) و الأوضاع الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية في العالم الإسلامي .

          و برزت في الساحة أسماء بعض المستشرقين الجدد من قبيل توماس فريدمان، دانييل بايبس، مارتن كرامر، جوديث ميلر، جيم هوغلاند، تشارلز كروثماثر، جين كيرباتريك، إميرسون … و غيرهم من المحسوبين على طبقة الخبراء المتخصصين في دراسة الإسلام و العالم الإسلامي ، و هم في حقيقتهم من العاملين في مراكز البحث المأجورة للإدارة الأمريكية و جماعات الضغط في الولايات المتحدة، و جميعهم تلامذة – بشكل أو بآخر – لأبيهم الروحي المستشرق الصهيوني المتحامل على الإسلام برنارد لويس، صاحب المقال الشهير " جذور السعار الإسلامي "، و الذي أسس لنزعة الإسلامو فوبيا الجديدة .

          لقد توارى الاستشراق التقليدي وراء هذا التوجه الجديد، دون أن يعني هذا أن هناك إغفالا تماما للقضايا الاستشراقية التقليدية كدراسة العلوم الإسلامية المختلفة، كالقرآن الكريم، و الحديث النبوي الشريف ، و الفقه الإسلامي ، و التاريخ الإسلامي و اللغة العربية و آدابها… إلا أن حضور هذه القضايا في الاستشراق المعاصر لا يكون بأبحاث جديدة و إنما بتبني ما ذهب إليه الاستشراق التقليدي. و من هنا يبدو تأثير هذا الأخير في تكوين صورة الإسلام في المخيال الغربي واضحا، الأمر الذي يستدعي البحث في المقولات الاستشراقية حول الإسلام، و بخاصة حول القرآن المجيد باعتباره الكتاب المقدس للمسلمين.

          فما موقف المستشرقين من القرآن الكريم؟ ما الغرض الثاوي وراء البحث الاستشراقي في القرآن و علومه؟ ما هي الشبهات التي يثيرونها في حقه؟ وهل هم جميعا على وفاق حول هذه الشبهات، أم أنهم ينقسمون إلى فريق مجحف و نظير له منصف؟ و قبل هذا و ذاك، ما مفهوم الاستشراق؟

الاستشراق، مفهومه و مراميه :

          تتعدد التعاريف التي تعطى للاستشراق، غير أنها تتفق على أن لفظة الاستشراق مشتقة من كلمة شرق، و حين أضيف إلى هذه الأخيرة الألف و السين و التاء ، صارت تعني طلب الشيء ، فأصبح الاستشراق يعني: طلب لغات الشرق و علومه و أديانه و التعرف إلى العالم الشرقي من خلال الدراسات اللغوية و الدينية و الاجتماعية و التاريخية …

          غير أن هذا التعريف لن يكون كافيا شافيا إلا إذا أضفنا إليه رؤية إدوارد سعيد للاستشراق "بوصفه نمطا من الإسقاط الغربي على الشرق و إرادة السيطرة عليه"[4]

          وتكمن أهمية هذه الإضافة في كونها تكشف عن أحد الأهداف الأكثر حيوية للدراسات الاستشراقية، و هو الهيمنة على الشرق. هذه الهيمنة التي اتخذت عدة أشكال بدءا بالاستعمار العسكري المباشر و انتهاء بالغزو الفكري و الاستعمار الثقافي، وبخاصة بعد نجاح المؤسسات الاستشراقية في استبناء بعض النخب الثقافية الشرقية، والتي تأثرت بآراء المستشرقين و راحت تروجها عوضا عنهم.

          المهم هو أن هذه الهيمنة يمكن أن ندخل في إطارها معظم الدوافع التي حركت جحافل المستشرقين في بحوثهم ، سياسية كانت أو اقتصادية أو دينية أو علمية.

          و حتى يتأتى للغرب تحقيق هذه الهيمنة، فقد وظف الاستشراق كل طاقاته و إمكاناته لخدمة هذا المشروع، و لم يتوان عن استعمال أكثر الأساليب خسة و دناءة، مع ما يستتبع ذلك من تحامل و تزوير و قلب للحقائق.

          ليس هنا مجال التوسع في شرح آليات السيطرة الغربية على الشرق، و إنما الذي يعنينا في هذه الدراسة هو البحث في الأساليب التي تم اعتمادها لمحاربة الإسلام و الهيمنة على بلاد المسلمين. و لأن الهدف هو محاربة هذا الدين، فإنه من الطبيعي أن يكون القرآن الكريم هو المستهدف الأول بسهام المستشرقين،إذ لم يتورع هؤلاء عن حشد كل الافتراءات التي لمسوا فيها القدرة على تحقيق هدفهم في النيل من كتاب رب العالمين. فقد عمدوا إلى ترجمة معاني القرآن، و وضعوا لهذه الترجمات مقدمات هدفها تشكيك المسلمين في كتابهم المقدس، و تنفير غير المسلمين منه.

          فما هي الشبهات التي عرضوها؟ وما السبيل إلى دحضها و تفنيدها؟

          ما دام أن البحث يروم تقديم مواقف المستشرقين من القرآن الكريم، المنصفين منهم و المجحفين، فإن عرض وجهات نظر الفريقين من كل مسألة على حدة، بشكل يبدو معه و كأن كل طرف يناظر الآخر، كفيل بتوضيح المواقف بشكل جلي و بيِّن، بمعنى أنه سيتم عرض شبهات المغرضين، لتعقبَها ردود المنصفين حول الشبهات المعروفة التي يرمى بها القرآن الكريم من طرف المستشرقين الحاقدين، و التي يمكن أن نجملها في ثلاث شبه رئيسية:

1-   مصدر القرآن الكريم

2-   جمعه و تدوينه

3-   مضمونه و تعاليمه

1-   مصدر القرآن الكريم

     مع بزوغ فجر الإسلام، بدأ خصومه في محاربته بغية استئصال شأفته، ورأوا أن النيل منه يمر بالضرورة عبر تكذيب المصطفى الأمين و التشكيك في القرآن الكريم و في نسبته إلى الله رب العالمين، هكذا فكرت قريش و من والاها. و إلى هذا ركن المستشرقون، حيث بذلوا قصارى جهودهم من أجل غرس هذه الأوهام في أذهان الناس. فنشروا في ذلك ما لا يحصى من الدراسات وألفوا آلاف الكتب و المؤلفات، منذ أن أمر بطرس"المبجل"Peter The Venèrable بوضع اللبنة الأولى للحركة الاستشراقية، و ذلك بأن أمر روبرت الكيتوني Robert Of Ketoun بترجمة القرآن إلى اللغة اللاتينية، الأمر الذي تحقق عام 1143م.

     لم يكن رئيس رهبان دير كلوني بطرس"المبجل" يهدف من وراء هذه "الترجمة" إلى الاطلاع على كتاب المسلمين و معرفة تعاليم ديانتهم، و إنما كان الهدف تنصيريا بحتا، لذلك جاءت تلك "الترجمة" مشوهة ليس فيها من القرآن إلا اسمه، لما فيها من حذف و إضافة و أخطاء مقصودة. فهي " لم تكن ترجمة فقط و إنما أضيف إليها هجوم و قدح في الإسلام و القرآن الكريم في شكل مساجلات (polémiques) كانت تقحم أثناء الترجمة، و قد كانت لا تلتزم بدقة و حرفية بالنص، ولا تلتزم بترتيب الجملة في الأصل العربي و إنما تستخلص المعنى العام في أجزاء السورة الواحدة ثم تعبر عن هذا بترتيب من عند المترجم"[5] و يعترف المستشرق صموئيل زويمر أن هذه الترجمة تمت بدافع تنصيري، و تحت تأثير الروح التنصيرية لدى بطرس"المبجل"[6].

     ومنذ ذلك الحين توالت الترجمات الاستشراقية لمعاني القرآن الكريم نافثة زعاف سمومها، كاشفة عظيم حقدها على الإسلام و القرآن. فقد دأب المستشرقون على تصدير مترجماتهم بمقدمات و مداخل تستعرض الإسلام و رسالته، ومضمون القرآن و مصدره و تاريخ جمعه و تدوينه على النحو الذي يخدم مخططاتهم و يبرهن على حقيقة ما يروجونه من مغالطات و أكاذيب، كالقول ببشرية القرآن و لا ربانية مصدره، و الادعاء بأنه من تأليف الرسول صلى الله عليه و سلم، و بأن النبي الكريم قد استقى ما جاء في القرآن من ما ورد في التوراة و الأناجيل. فجورج سيل (G.Sale) ،على سبيل المثال، وضع لترجمته -الصادرة عام 1734م- مقدمة طويلة شن فيها هجوما عنيفا و مضللا على القرآن المجيد، و لم يترك فرية إلا و رماه بها، فقد ادعى أن القرآن ليس وحيا، و ليس معجزا، و انه مستمد في معظمه من اليهودية، ليس في موضوعاته فحسب، بل و كذلك في تقسيمه إلى أجزاء و أحزاب، و إلى سور و آيات. كما وصف محمدا عليه الصلاة و السلام بأنه مؤلف القرآن[7]. يقول سيل:"أما أن محمدا كان في الحقيقة مؤلف القرآن و المخترع الرئيسي له فأمر لا يقبل الجدل، و إن كان من المرجح - مع ذلك – أن المعاونة التي حصل عليها من غيره في خطته هذه لم تكن معاونة يسيرة."[8]

وبعد كل هذه الأباطيل و الادعاءات الكاذبة، لم يجد "جورج سيل" أية غضاضة في الاعتراف بأن الهدف من ترجمته هو تسليح البروتستانت في حربهم التنصيرية على الإسلام و المسلمين،لأنهم "وحدهم قادرون على مهاجمة القرآن بنجاح(...) و العناية الإلهية قد ادخرت لهم مجد إسقاطه"[9]

     و رغم هذا التحامل المفضوح فإن ترجمة "سيل" تعد -عندهم- من أهم الترجمات الاستشراقية، حيث أعيد طبعها أكثر من ثلاثين مرة،فقد لقيت صدى طيبا في أوساط المنصرين الحاقدين و المستشرقين المغرضين. و ها هو المستشرق المنصِّر صمويل زويمر يثني على ترجمة "سيل" و يقول إنها مع مقدمتها ستظل ذات قيمة مهمة بالنسبة للمستشرقين[10]. و في نفس الإطار أعلى المستشرق "مونتغمري وات" من قيمة هذه الترجمة، ووصف مقدمتها بأنها "وصف موضوعي للإسلام"[11]. ولعل هذا الحكم على ترجمة "جورج سيل" بالموضوعية، رغم بعدها الكبير عن المعايير الأكاديمية المتحررة من الانحياز والذاتية و الخلفيات الأيديولوجية، يفصح عن حقيقة الموضوعية التي ينشدها الاستشراق، أو بالأحرى غالبية المستشرقين، حتى لا نشتط َّ فنسقط في شرَك التعميم.

     لذلك فإننا نجدهم متفقين مع "سيل" حول افتراءاته على القرآن الكريم والقول ببشرية مصدره، إذ يركبون نفس الموجة، و يجتر اللاحق منهم ادعاءات السابق. يقول ريتشارد بيل (R.Bell) :"محمد قد ألف القرآن من عنديته و(...) اعتمد في معلوماته على القصص التاريخية مثل عاد و تمود" [12]،التي استمدها من مصادر عربية،في حين أن الجانب الأكبر من المادة التي استعملها ليفسر تعاليمه و يدعمها قد استقاه من مصادر يهودية و نصرانية.وقد كانت فرصته في المدينة للتعرف على ما في العهد القديم أفضل من وضعه السابق في مكة حيث كان على اتصال بالجاليات اليهودية في المدينة، و عن طريقها حصل على قسط غير قليل من المعرفة بكتب موسى على الأقل[13].ورغم ما تشتمل عليه هذه الترجمة من تزييف، فقد اكتسبت بدورها مصداقية لدى المستشرقين، و يكفي أن نشير إلى أن المستشرق "مونتغمري وات" ( (M.Watt قد اعتمد عليها في تأليف كتابه الشهير:"محمد في مكة"، و لذلك لم يكن غريبا أن يتأثر بها، و أن يردد الشبهات التي وردت فيها، فقد ادعى "وات" أن تحنث الرسول في غار حراء كان خاضعا للتأثيرات اليهودية-المسيحية[14].ويحاول "وات" في هذا الكتاب أن يوهمنا بموضوعيته حين يصرح بأنه سيناقش الإسلام بحيادية و بأسلوب لا ينكر أية عقيدة من عقائد المسلمين،إلا أن هذه الحيادية سرعان ما تتبدد، حين يعمد إلى إعادة إنتاج مقولات أسلافه عن القرآن الكريم،حيث يشير في كثير من تعليقاته،تصريحا و تلميحا،إلى القرآن ليس معجزا،و أن أهل الحديث المتأخرين قد تجنبوا المعنى الحقيقي للفظة "ما أقرأ" التي رد بها النبي الكريم على جبريل عليه السلام في أول نزول الوحي حين طالبه بأن يقرأ، و اعتمدوا الرواية الأخرى التي تقول "ما أنا بقارئ"،" ليعززوا الاعتقاد بأن محمدا لم يكن يستطيع الكتابة، و هذا الاعتقاد جزء من إثبات الطبيعة المعجزة للقرآن"[15]، ويستمر "وات" حين يطرح فرضية إمكانية تدخل النبي صلى الله عليه وسلم لتصويب الوحي؟؟؟؟و رغم أنه يصبو هنا إلى أن يوهمنا بأنه يعتبر أن القرآن كتاب سماوي و أن النبي عليه السلام لا يتدخل إلا لإضافة شيء ما إليه أو حذفه منه، إلا أن الواضح هو انه يغمز إلى أن مصدر القرآن ليس هو الله تعالى،لأن ما يصدر عن الله لا يمكن أن يشوبه نقص، أو يحتاج إلى تصويب بشر.يقول "وات": "لا بد أن محمدا قد ميز بشكل واضح بين ما يأتيه وحيا -كما يعتقد- و بين ما ينتجه عقله الواعي.أما كيف كان يميز بينهما، فهذا أمر غير واضح تماما، لكن الحقيقة التي صنعها محمد مؤكدة كأي شيء في التاريخ.إننا لا نستطيع بأي درجة معقولة أن نتخيله يقحم آيات من تأليفه بين الآيات الموحاة إليه ( الآيات الآتية إليه من مصدر خارج عن شعوره كما يعتقد). و على أية حال، فربما يكون محمد قد فعل شيئا في الوحي المنزل عليه كإعادة ترتيب الآيات الموحى بها، و ربما يكون قد حاول أن يصوب النص إذا أحس أن النص الموحى به يحتاج إلى إصلاح"[16].الواضح هنا،هو أن "وات" يصور الأمر و كأنه يتعلق بفرضية،أي ربما يكون النبي عليه السلام قد حاول أن يصوب النص و ربما لا،غير أنه يعود في موقع آخر من الكتاب ليؤكد حقيقة موقفه حين يقول:"ويبدو مؤكدا أن محمدا كان لديه أسلوب أو آخر لتصحيح النص القرآني باكتشاف الصيغة الصحيحة لما أوحي إليه ناقصا أو غير صحيح"[17]. لا يقف "وات" عند هذا الحد، بل تصل به "موضوعيته" و "حياديته" المزعومة إلى التشكيك في عقيدة النبي صلى الله عليه و سلم، زاعما أن" التوحيد الذي كان يؤمن به محمد كان في بدايته لا يختلف عن توحيد من هم أكثر تنورا في عصره أي أنه كان توحيدا غامضا على نحو ما، بمعنى أنه لم يكن ممكنا في مرحلة مبكرة فصل التوحيد الخالص عن الإحساس بوجود كائنات أخرى ذات طابع إلهي أو مقدس.فربما نظر محمد إلى اللات و العزى و مناة كموجودات أو ربات، وإن كانت لها قدسية، إلا أنها أقل أهمية من الله"[18].

     و حتي تنجلي الصورة أكثر،نعرض لأفكار مستشرق آخر، كثيرا ما وصف بالباحث الموضوعي الذي أسدى جليل الخدمات للعرب و المسلمين، لتتضح لنا درجة موضوعيته، و التي لا تختلف في شيء عن موضوعية "مونتغمري وات". يتعلق الأمر بالمستشرق "كارل بروكلمان" ، هذا الرجل الذي عقد في الجزء الأول من كتابه "تاريخ الشعوب الإسلامية" فصلا عن تعاليم الإسلام أعطى فيه صورة مشوهة لأركان الإسلام الخمسة، مدعيا أن معظمها قد اقتبسه النبي من التوراة و الإنجيل، و عادات الأمم الغابرة، فاليوم الآخر و ما فيه من حساب و عقاب فكرة يهودية، نسج النبي حولها كثير من الأوهام و الأكاذيب، و الصلاة طقوس فارسية، و تقبيل الحجر الأسود عبادة وثنية[19] .

و لم تكن آراء شيخ المستشرقين "تيودور نولدكه" لتغرد خارج السرب، فكتابه "تاريخ القرآن"، والذي يعد أصلا من أصول الثقافة الاستشراقية، ضم بين دفتيه كل الشبهات التي أثيرت حول القرآن الكريم، و مداره حول أن القرآن لم يرتّب حسب تاريخ النزول، و هذه مسألة استعارها "نولدكه" من المستشرق "فلوجل"، و المعلوم أن القرآن لم يرتَّب وفق أسباب النزول، و إنما وفق الوحي، بمعنى أن الترتيب كان توقيفيا. و كان من بين ما أثاره "نولدكه" في هذا الكتاب كون "القرآن ليس بمعجزة لأن فواتحه مأخوذة عن التوراة"[20]،معضدا بذلك رأي المستشرق "لوت" الذي زعم أن النبي صلى الله عليه و سلم مدين ب"فكرة" فواتح السور من مثل:حَم، و طَسم،و الم،و يس،و كهيعص...إلخ، لتأثير أجنبي يرجح أنه تأثير يهودي، اعتقادا منه أن السور التي استهلت بهذه الفواتح مدنية خضع فيها الرسول صلى الله عليه و سلم لتأثير يهود المدينة.ولو أنه كلف نفسه مهمة التدقيق في الأمر لعلم أن سبعا و عشرين سورة من تلك السور التسع و العشرين مكية، و أن اثنتين فقط من السور مدنية و هما سورتا البقرة و آل عمران[21]. أما الصهيوني برنارد لويس، شيخ المستشرقين الجدد، فقد زعم أن المصطفى صلى الله عليه و سلم خضع للتأثيرات اليهودية و المسيحية، و أنه لم يأخذ قصص القرآن من الكتاب المقدس مباشرة، و إنما أخذها بطريقة غير مباشرة من التجار و الرحالة اليهود و النصارى[22] .

كل هذه المزاعم تصب في اتجاه واحد، و تقصد الترويج لأمر واحد:محمد بن عبد الله ليس نبيا، و القرآن ليس كتابا سماويا، و إنما هو من ألفه بعدما استعار ما استعاره من التوراة و الإنجيل و تعلم ما تعلمه من بحيرى أو من غيره؟؟؟؟.إذ "يزعم المستشرقون أيضاً أن محمداً تعرف على النصرانية من بحيرى الراهب في رحلته التجارية إلى الشام. وقد تمثل محمد في نفسه ما سمعه من بحيرى الراهب وما عرفه من أتباع اليهودية، وخرج على الناس يعلن دينه الجديد الذي لفّقه من الدينين الكبيرين .
وهذه كلها مزاعم واهية لا حظ لها من العلم ولا سند لها من التاريخ ، وإنما هي تخمينات وافتراضات يضعها أصحابها كما لو كانت حقائق ثابتة لا تقبل الجدل.
وقد تناول الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله في دراسته القيمة ( مدخل إلى القرآن ) "جميع الافتراضات المتعلقة باحتمال وجود مصدر بشري للقرآن. وناقشها مناقشة علمية ،وأظهر زيفها وبطلانها، وانتهى إلى القول بأن: "جميع سبل البحث التي وقعت تحت أيدينا وناقشناها ثبت ضعفها وعدم قدرتها على تقديم أي احتمال لطريق طبيعي أتاح له ( أي للنبي صلى الله عليه وسلم ) فرصة الاتصال بالحقائق المقدسة. ورغم الجهد الذهني الذي نبذله لتضخيم معلوماته السمعية ومعارف بيئته ، فإنه يتعذر علينا اعتبارها تفسيراً كافياً لهذا البناء الشامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم في مجال الدين والتاريخ والأخلاق والقانون والكون...إلخ"[23]
فلم يبق إلاّ أنه وحي الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أرسله رحمة للناس أجمعين"[24]، أما افتراءات المستشرقين فلا تصمد أمام النقد العلمي لها.

لذلك سنترك المنصفين من المستشرقين يردون على هذه الادعاءات و يفندوها، على أنه ينبغي أن نشير إلى أن الساحة الثقافية تزخر بمستشرقين يحركهم الدافع العلمي لمعرفة الإسلام، و تتمخض أبحاثهم عن مواقف عادلة اتجاهه، حتى أن بعضهم اهتدى بعد دراساته و أبحاثه إلى اعتناق الدين الإسلامي، نذكر منهم على سبيل المثال: "جرونييه"، "دينيه"، "روجي غارودي"،"موريس بوكاي"،"فلفرد هوفمان"،"جرمانوس"،"ليوبولد فايس"،"خالد شلدريك"،اللورد هيدلي"،"توفيان تيوفانوفا"... هذا الأخير الذي يؤكد على ضرورة التفريق بين المستشرقين و عدم التعميم في النظرة إليهم حيث يقول:ب "أن الاستشراق ليس شراً كله على الإسلام والمسلمين·· صحيح أن هناك الكثير من الأخطاء في ترجمات معاني القرآن الكريم·· التي أعدّها نفر من المستشرقين·· إلا أننا يجب أن نفرّق بين الأخطاء المتعمّدة والأخطاء غير المتعمدة··· فالذين يُخطئون ـ بصورة عفوية ـ يكون ذلك دائماً نتيجة عدم إلمامهم باللغة العربية ـ التي هي لغة القرآن الكريم ـ ونتيجة أيضاً لعدم فهمهم لمعاني الآيات القرآنية الكريمة··· وأنا شخصياً من المحتمل أن أخطئ في بعض دراساتي ولكنها أخطاء غير متعمّدة··· والذي أود أن أوضحه هنا أن لكل مستشرق إسهاماته في فهم الإسلام والحضارة الإسلامية·· وكل مستشرق في هذا المجال له خبرته··"[25]. و يضيف المستشرق "تيوفانوفا" مشيرا إلى أن:" المنهج الاستشراقي الموضوعي، يرتبط بغاية علمية واضحة المعالم·· وهي دراسة الإسلام والتعرّف إلى حقائقه، ودراسة التراث الإسلامي والتأكد من دور الحضارة والثقافة الإسلاميتين في ترقية المجتمعات البشرية"[26]، و في المقابل فإن " هناك عدداً من المستشرقين يطعنون في الإسلام وذلك بإثارة الشبهات حول ما جاء في القرآن الكريم وفي الأحاديث النبوية الشريفة وفي صحة الوحي الرباني·· فيدّعون أن القرآن الكريم ليس وحياً ربانياً، إنما هو كلام بشري وغير ذلك من الافتراءات والأباطيل·· ولا شك أن هذا المنهج الاستشراقي منهج خاطئ ونتيجة مباشرة للخصومة التاريخية التي نشأت في الغرب منذ مدة طويلة·"[27]. و يكشف "تيوفانوفا" الأهداف الحقيقة لهذا التيار فيقول: "ولا شك أن المنهج الاستشراقي غير الموضوعي هو وليد الحركة الاستعمارية والتبشيرية التي استهدفت تشويه الإسلام وصورته، وبث الأخطاء المُتعمّدة حول الإسلام·· وأنا أعتقد أن هذا هو الجزء الأكبر في الحركة الاستشراقية العالمية التي يجب التصدي لها بكل السبل المتاحة لدى المؤسسات الإسلامية العالمية·"[28]

فضلا عن هؤلاء المستشرقين الذين اهتدوا إلى الإسلام، ثمة طائفة أخرى تميزت أبحاثها بالنفس العلمي و الموضوعية دون أن تعلن إسلامها،مثل "زيغريد هونكه"،"جون اسبوزيتو"،"بول فندلي"،"توماس كارلايل"،"سيمون هايك"،"لورا فاغليري"...هذه الأخيرة التي انبرت للدفاع عن الإسلام و القرآن و النبي عليه السلام ضد افتراءات المستشرقين، حتى أنها سمت أحد كتبها:"دفاع عن الإسلام" و قد كتبت مؤكدة علو شأن القرآن و مفندة الطرح الاستشراقي الزاعم أن الرسول صلى الله عليه و سلم هو مؤلف القرآن،حيث قالت:"إن الكتاب [القرآن] إلى جانب كماله من حيث الشكل و الطريقة،قد أثبت أنه ممتنع على التقليد و المحاكاة حتى في مادته. فنحن نقرأ فيه إلى جانب أشياء أخرى كثيرة، تنبؤا ببعض أحداث المستقبل، ووصفا لوقائع حدثت منذ قرون و لكنها كانت مجهولة على وجه عام.إن ثمة إشارات كثيرة إلى نواميس الطبيعة، و إلى علوم مختلفة، دينية و دنيوية. إننا نقع ثمة على ذخائر واسعة من المعرفة تعجز أكثر الناس ذكاء، و أعظم الفلاسفة، و أقدر رجال السياسة. و لهذه الأسباب كلها لا يمكن للقرآن أن يكون من عمل رجل غير مثقف[29]، قضى حياته كلها وسط مجتمع جاف بعيد عن أصحاب العلم و الدين، رجل أصر دائما على أنه ليس إلا رجلا مثل سائر الرجال فهو بوصفه هذا عاجز عن اجتراح المعجزات ما لم يساعده على ذلك ربه الكلي القدرة.إن القرآن لا يعقل أن ينبثق عن غير الذات التي وسع علمها كل شيء في السماء و الأرض".[30]

          في نفس الإطار يحشد"موريس بوكاي" كل البراهين العلمية-و هو العالم الفرنسي الكفء- ليفند بها مفتريات المستشرقين التي سبقت الإشارة إليها، حيث يقول مؤكدا أن القرآن الكريم هو كتاب الله الذي نزل به جبريل إلى المبعوث رحمة للعالمين:" لقد أنزل الله سبحانه و تعالى القرآن الكريم على نبي الإسلام صلى الله عليه و سلم بواسطة الملاك جبريل –arch Angel Gabriel عليه السلام"[31]، و أن دعوى استعارة القرآن من الأناجيل تفندها الحقائق العلمية،ف" فيما يتعلق بالتوازي بين القرآن و الأناجيل، يجب أن نلاحظ أولا و قبل كل شيء أن كل الموضوعات التي تم انتقادها و نقضها في الأناجيل من وجهة النظر العلمية و في ضوء المعارف الحديثة و المعقولية و المنطق لم يتسلل شيء منها بتاتا إلى نصوص القرآن الكريم"[32]. و ما يقال عن الأناجيل يقال عن التوراة،ف" من جهة النظر العلمية الموضوعية البحتة التي تعتمد على حقائق العلوم الوضعية الحديثة نجد في القرآن الكريم قضايا و حقائق علمية تم اكتشافها في العصر الحديث و من المستحيل أن نجد ما يضارعها أو ما يماثلها في التوراة، كما أن في التوراة مزاعم علمية خاطئة بمعيار العلوم الوضعية الحديثة ليس لها ما يماثلها في القرآن الكريم"[33]. أما القول بأن القصص الواردة في القرآن مأخوذة بالحرف من الكتب السابقة، فهذا أيضا غير صحيح، و الدليل هو اختلاف الرواية القرآنية عن نسب المسيح، و ما يعتقده النصارى، ويركز "بوكاي" على هذه النقطة ليخلص بعد تحليل طويل إلى القول: " و مرة أخرى تقتضينا الموضوعية أن نشير إلى افتراء و ادعاء أولئك الذين يقولون كذبا و دون أي أساس أو مستند صحيح إن محمدا صلى الله عليه و سلم هو مؤلف القرآن الكريم، و قد نقل كثيرا من نصوص التوراة و نقل من الأناجيل. و لو كان ذلك صحيحا فلماذا لم ينقل محمد صلى الله عليه و سلم سلسلة نسب المسيح كما وردت في الأناجيل؟ و ما الذي جعل محمدا لا يدخل في نصوص القرآن الكريم كل الأخطاء التي لاحظنا نماذج كثيرة منها في هذا الكتاب على حين أن نصوص التوراة و نصوص الأناجيل تغص بالأخطاء غير المقبولة منطقيا و علميا و لا يمكن الدفاع عنها بأي حال بينما القرآن الكريم يخلو تماما من هذه الأخطاء"[34]. و ما ينطبق عن نسب المسيح عليه السلام، ينطبق على قصة الطوفان، يقول "بوكاي" :" نخلص في نهاية الأمر إلى وجود وجوه مهمة للاختلاف بين رواية القرآن عن الطوفان و روايات التوراة عن الطوفان، و ذلك في أمور أساسية مهمة. و بعض هذه الاختلافات لا يمكن الفصل فيه بالوسائل التي يمكن أن نطمئن إليها بحيث تكون متاحة لنا، و لكن هذه الوسائل التي نطمئن إليها تطلعنا على تناقض روايات التوراة بشأن الطوفان بعضها مع بعض عند مقارنة النصوص المتعلقة بالتوراة في هذا الصدد، بينما لا يوجد مثل هذا التناقض في نصوص القرآن عن الطوفان. و هنا يبرز سؤال مهم هو : هل حصل الناس في أي وقت بين نزول التوراة و نزول القرآن على معلومات من شأنها تصويب رواية القرآن عن الطوفان بحيث تتفادى تماما التناقضات الموجودة في رواية التوراة عن الطوفان؟

لا جواب لهذا السؤال سوى إجابة واحدة محددة هي أن التوراة قد صاغ نصوصها و أضاف إلى نصوصها بشأن الطوفان بشر، أما نصوص القرآن فهي كلام الله وحده أوحاه إلى محمد صلى الله عليه و سلم "[35].

          لقد أثبت "موريس بوكاي" بمنهج علمي صارم مصداقية القرآن، و أسقط ادعاءات المستشرقين و الرهبان،فاستخلص أنه "بفضل المصداقية التامة – التي لا تجادل – المتوافرة لنصوص القرآن الكريم تحظى نصوص القرآن الكريم بمنزلة متفردة unique place بين الكتب السماوية المنزلة من الله إلى البشر، و لا يتساوى مع القرآن الكريم في هذه المنزلة كتاب آخر بما في ذلك العهد القديم و العهد الجديد"[36].

          ورغم هذه الحقائق العلمية و الأدلة الدامغة،إلا أن المواقف الاستشراقية الأكثر تطرفا هي الأكثر رواجا في ديار الغرب،إذ يقدم الإسلام بشكل مقزز مثير للاشمئزاز، و تشن عليه البروباغاندا الغربية حربا شعواء، سواء في الإعلام أو في الكتب الموجهة للاستهلاك المحلي، وقد رصد "إدوارد سعيد" مجموعة كتب من هذا القبيل، و أورد في كتابه الذائع الصيت "الاستشراق" بعض ما جاء فيها قبل أن يوجه نقده اللاذع لها، ينقل سعيد عن أحد المغرضين- دون أن يعني هذا أنه يتفق معه، فالأمر خلاف ذلك -:"بدأ الدين الإسلامي،المسمى الإسلام،في القرن السابع. و قد بدأه رجل أعمال ثري من شبه الجزيرة العربية يدعى محمد.و قد ادعى أنه نبي،ووجد أتباعا بين العرب الآخرين و أخبرهم بأنهم اختيروا لكي يحكموا العالم" و تتلو هذه النتفة من المعرفة نتفة أخرى مثلها في دقتها:"بعد موت محمد بقليل،سجّلت تعاليمه في كتاب يدعى القرآن، و صار الكتاب المقدس للإسلام"[37].هكذا يلبسون تلبيس إبليس و لا يتورعون عن إطلاق الأكاذيب من أجل تشويه صورة الدين الحنيف، فلا النبي كان ثريا، ولا كان دعيا، ولا المسلمون يسعون لحكم العالم، و لا القرآن لم يدون إلا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم. و الواضح أن هذين المقطعين على وجازتهما قد أوردا أهم الشبهات المثارة حول القرآن.الأولى تتعلق بمصدر القرآن، فاتهام النبي صلى الله عليه و سلم بادعاء النبوة يستبطن اتهاما بتأليف القرآن. و الثانية ترتبط بمضمون القرآن، لأن الزعم بأن النبي بشر "أتباعه" بأنهم سيحكمون العالم، هدفه التخويف من الإسلام ووصمه بدين الغزو و العنف و الإرهاب و العدوان. أما الثالثة فتتعلق بجمع القرآن و تدوينه، فالقول بأن تعاليم محمد سجلت بعد موته في كتاب يدعى القرآن،لا يعدو أن يكون مجرد إسقاط لطريقة تدوين الإنجيل،على القرآن الكريم. و إذا كنا قد ناقشنا الشبهة الأولى، فقد بقي أن نعرض للشبهتين المتبقيتين.

2-   جمع القرآن الكريم و تدوينه

لم يكتف المستشرقون بالتشكيك في كون القرآن الكريم كتاب الله، و إنما سعوا بالإضافة على ذلك، إلى ادعاء تعرضه للتحريف و ذلك بإثارة الشبهات حول جمعه و تدوينه، فقد "تكلم المستشرقون كثيراً في موضوع القراءات بالأحرف السبعة محاولين إثبات أن القراءة كانت حرة طليقة، الأمر الذي جعل تعرض القرآن للتغيير أمراً لا مفر منه. وهم بذلك يوهمون بأن التدوين وقع في جو هذه الحرية، وفي هذا الجو تم تسجيل قراءات مختلفة. وهذه القراءات التي نجمت عن ذلك لم تكن هي الصورة التي ورد بها الوحي أساساً. ونتيجة ذلك كله هي القول بحدوث تغيير في النص القرآني"[38]. و يرد الدكتور محمود حمدي زقزوق هذه الفرية بالقول:"إن اختلاف القراءات أمر ثابت لا ننكره ، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أيضاً أن القرآن كان وحياً باللفظ والمعنى معاً. ومن أجل ذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصاً كل الحرص على تسجيل الوحي فور نزوله والعناية بحفظه في السجلات التي سطر فيها . وليس صحيحاً ما يردده ( بلا شير ) من أن فكرة تدوين الوحي لم تنشأ إلا بعد إقامة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأن التدوين كان جزئياً وناتجاً عن جهود فردية ومثاراً للاختلاف. فالثابت أن فكرة تدوين الوحي كانت قائمة منذ نزوله ـ وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام كلما جاءه الوحي وتلاه على الحاضرين أملاه من فوره على كتبة الوحي ليدونوه: وقد بلغ عدد كتاب الوحي ـ كما يذكر الثقات من العلماء ـ تسعة وعشرين كاتباً أشهرهم الخلفاء الراشدون الأربعة ومعاوية، والزبير بن العوام، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت.
وأما ما يتعلق بمسألة الأوجه السبعة في القراءة فإن الأمر فيها لم يكن متروكاً لأهواء الناس، وإنما كان محكوماً بما يقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم للناس من أوجه للقراءة كان القصد منها التخفيف على الناس في أول الأمر ( فأذن لكل منهم أن يقرأ على حرفه، أي على طريقته في اللغة، إلى أن انضبط الأمر في آخر العهد وتدربت الألسن، وتمكن الناس من الاقتصار على الطريقة الواحدة فعارض جبريل النبي صلى الله عليه وسلم القرآن مرتين في السنة الأخيرة، واستقر على ما هو عليه الآن ) . وهذا ما عليه أكثر علماء المسلمين"[39].

و فرية تعرض القرآن الكريم للتحريف،سلعة رائجة في أوساط المستشرقين،فقد ادعى هؤلاء أن المسلمين في القرن الأول قد حذفوا من القرآن و أضافوا إليه وغيروا منه، و لكي يلبسوا هذا الاتهام رداء الحقيقة العلمية عولوا على بعض الآثار الضعيفة، و الروايات الموضوعة، و لم يرجعوا إلى المصادر الأصلية، و الأقوال الصحيحة. فالمستشرق الفرنسي "كازانوفا" - مثلا – يذهب في كتابه"محمد و نهاية العالم" إلى أن هناك آيتين يشك في صحة نسبتهما إلى الوحي الإلهي، يرجح أن يكون أبو بكر هو الذي أضافهما غداة وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم، و هما قوله تعالى:( و ما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم و من ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا و سيجزي الله الشاكرين)، و قوله جل و علا:( إنك ميت و إنهم ميتون.ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون).

و "كازانوفا" بما قاله يعبر عن جهله بالسيرة النبوية، و بمعرفة أسباب النزول. فالآية الأولى استشهد بها أبو بكر الصديق حينما رأى الناس قد ألمّ بهم الحزن الشديد بعد وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم.أما نزولها فكان بسبب محنة المسلمين يوم أحد، وما أشيع من أن الرسول قد قتل، فاختلف المسلمون هل يواصلون القتال أو لا يواصلون، فأنزل الله الآية لتبين أن محمدا عليه السلام سيموت كغيره من الرسل، فإذا مات أو قتل تخليتم عما جاءكم به و دعاكم إليه، و من فعل ذلك فإن عاقبة أمره خسرانا مبينا.أما الآية الثانية فقد نزلت بالمدينة لتؤكد أن كل نفس ذائقة الموت.[40]

          من جانبه شكك المستشرق الفرنسي "جاك بيرك" في نزول و ترتيب و جمع القرآن الكريم[41]، سائرا على منوال من سبقوه من المستشرقين.

          و ترد المستشرقة الإيطالية المنصفة على هذه الادعاءات مؤكدة أن" معجزة الإسلام هي القرآن الذي تنقل إلينا الرواية الراسخة غير المقطعة، من خلاله،أنباء تتصل بيقين مطلق.إنه كتاب لا سبيل إلى محاكاته"[42]، فقد ظل نصه "صافيا غير محرف طوال القرون الأولى التي تراخت ما بين تنزيله و يوم الناس هذا"[43]. و هو الأمر الذي بذل موريس بوكاي طاقته العلمية من أجل إثباته، ليخلص في نهاية المطاف إلى القول بأن" النص القرآني لم يتعرض لأي تعديل أو تغيير أو تحريف من يوم أن أنزله الله على الرسول صلى الله عليه و سلم حتى يومنا هذا"[44]، و يرجع سبب ذلك إلى أنه "فور تنزيل نصوص القرآن الكريم، و أولا بأول، كان النبي صلى الله عليه و سلم و كان المسلمون حوله يتلونه و يحفظونه في ذاكرتهم عن ظهر قلب و كان الكتبة من صحابته يسجلونه كتابيا. و هكذا كانت نصوص القرآن الكريم تتمتع و تمتاز بهذين العنصرين دائما من المصداقية و توافرها على امتداد الزمان و هما الحفظ في الذاكرة و الحفظ كتابة لنصوص القرآن الكريم في حياة النبي صلى الله عليه و سلم و هما العنصران اللذان تفتقر إليهما نصوص الأناجيل"[45]. و بعد وفاته عليه الصلاة و السلام" طلب أول خليفة من الخلفاء الراشدين و هو أبو بكر الصديق إلى زيد بن ثابت أول كاتب للنبي صلى الله عليه و سلم و أكثر كتاب الوحي إسهاما في كتابته أن يجمع و يعد نسخة كاملة من نص القرآن الكريم ففعل ذلك، و قام بهذه المهمة الجليلة خير قيام،و شاركه آخرون ممن يعتد بإسهامهم في إتمام هذه المهمة الجليلة. ثم قام زيد بن ثابت إتباعا لمشورة سيدنا عمر بن الخطاب – و لم يكن قد أصبح ثاني الخلفاء الراشدين بعد – قام زيد بن ثابت باستشارة كل أولئك الذين كان بحوزتهم نصوص مكتوبة من القرآن الكريم في حياة النبي صلى الله عليه و سلم للمراجعة و المطابقة و تمام التأكد من صحة النصوص التي تم جمعها في نسخة واحدة تحتوي على كامل نصوص القرآن الكريم ، و بالإضافة إلى ذلك تمت مراجعة كل ذلك وفقا لشهادة و مراجعة الأفراد المشهود لهم بجودة حفظ نصوص القرآن الكريم اعتمادا على الذاكرة ، و كل ذلك لتلافي أي خطأ في تسجيل و تدوين النص الكامل لآيات القرآن الكريم كتابيا. و هكذا أمكن بالفعل الحصول على نسخة صحيحة لا ريب و لا شك في مصداقيتها التامة لكل نصوص القرآن الكريم.

و تجمع المصادر الموثوق بها أن سيدنا عمر قد اجتهد أن تكون نسخة واحدة من كامل نصوص القرآن الكريم هي وحدها الموجودة في عالم المسلمين حتى لا يحاول أحد عمل نسخ أخرى تعوزها الدقة التي روعيت في جمع المصحف بواسطة زيد بن ثابت و معاونيه في عهد أبي بكر الصديق – رضي الله عنهما – و تجمع المصادر الموثوق بها على أن سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قد استودع هذه النسخة الوحيدة المعتمدة لدى ابنته حفصة التي كانت زوجة لرسول الله صلى الله عليه و سلم و هي – رضي الله عنها – من أمهات المؤمنين!

و قام ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان – رضي الله عنه – الذي تولى الخلافة فيما بين عامي 644م – 655م بمراجعة نصوص القرآن الكريم بمعرفة لجنة من أعلم الخبراء بنصوص القرآن الكريم كان من نتيجة عملها ما يعرف بالمصحف العثماني المنسوب إليه. و لقد أقرت هذه اللجنة التي أمر سيدنا عثمان بتشكيلها صحة نصوص المصحف الذي تم جمعه في عهد أول الخلفاء الراشدين أبي بكر الصديق ، و أودعها ثاني الخلفاء الراشدين عند ابنته حفصة أم المؤمنين مع التوصية ألا يحاول أحد عمل نسخ أخرى قد لا تتوافر لها الدقة اللازمة. و بعد عمل المراجعات اللازمة و بعد تمام التأكد من صحة نصوص القرآن الكريم من خلال عمل لجنة تم تشكيلها على أرفع مستوى من كتاب القرآن الكريم و حفّاظه. و بعد مطابقة كافة الشهادات للتحقق من صحة النص القرآني، عمد سيدنا عثمان إلى إرسال نسخة من نصوص القرآن المعتمدة إلى كل مصر من أمصار المسلمين الكبرى المعروفة. و ذلك بعد التأكد من صحة النص القرآني و مكانه في كل سورة، و ضبط ألفاظه لتكون نصوص الآيات تتلى كما كانت تتلى في وقت نزولها على نبي الإسلام صلى الله عليه و سلم طوال ثلاثة وعشرين عاما"[46].

وبهذا تكون شبهات المستشرقين المغرضين حول جمع القرآن و تدوينه، قد دُحضت من طرف نظرائهم المنصفين. و عليه لم يبق لنا إلا أن نناقش قضية مضمون القرآن الكريم و ما أثير حول تعاليمه السمحة من اتهامات باطلة بتكريس التخلف و استعباد المرأة والتحريض على العنف و الإرهاب ضد غير المسلمين.

 

3-   مضمون القرآن الكريم و تعاليمه

حين كتب بلاشير مقدمة ترجمته للقرآن الكريم، اعترف بالقلق الذي ينتاب الغربيين بسبب القرآن، حيث يقول:" قلما وجدنا بين الكتب الدينية الشرقية كتاباً بلبل بقراءته دأبنا الفكري أكثر مما فعله القرآن"[47] ، لذلك سعى المستشرقون إلى النيل من القرآن حتى يضمنوا انحسار الإسلام. لم يكن بإمكانهم انتزاع القرآن من صدور المسلمين،فراحوا يحرفون معانيه و ينسبون إليه ما ليس منه، حتى إذا راجت عملتهم المزورة، طالبوا المسلمين بالتخلي عن بالتخلي عن تعاليم الإسلام الواردة في القرآن إن هم أرادوا اللحاق بالركب الحضاري. و هذا ما فعله المستشرق "كنيث كراج" (K.Cragg) رئيس تحرير مجلة العالم الإسلامي حيث قال:" إن على الإسلام إمّا أن يعتمد تغييراً جذرياً فيه أو أن يتخلى عــن مسايرة الحياة"[48].

من الواضح إذن،أن الأمر لا يتعلق فقط بمجموعة مستشرقين حاقدين على الإسلام، بل باستراتيجيات هيمنية تخدم المصالح الغربية و تقصي ما خلا الغرب. إنه غرب متمركز حول ذاته يرنو إلى أن يصير "مرجعية نهائية" للكون بأسره، والمرجعية النهائية – كما هو معلوم - تتجاوز كل شيء، ولا يتجاوزها أي شيء.

لذلك روَّج لأكذوبة المعجزة الأوروبية و مقولة المركزية الغربية التي تقول بالخصوصية المطلقة لتاريخ الغرب الذي أنضجته عوامل خاصة وداخلية، وأثمر حضارة غنية ومتنوعة، إلى جانب تأكيدها أن لا مناص للمجتمعات التي تطمح إلى بلوغ ما وصل إليه الغرب من تقدم، من الأخذ بالأسباب ذاتها التي أخذ بها الغربيون، ولا مهرب لها من التخلص من خصوصيتها الثقافية، لأن هذه الخصائص هي المسؤولة عن تخلفها والمعيقة لتقدمها. وهو ما يدل على أن المركزية الغربية لم تَكْتَفِ بتقديم رؤية للعالم، بل تقدمت بمشروع سياسي على صعيد العالم، هو: تعميم النموذج الغربي، وخطورة هذا الطرح هو أنه سوَّغَ منطقياً التوسع الغربي، واحتلال العالم، وإبادة الحضارات، وأحياناً إبادة شعوب بأكملها كما حصل في حالة نشوء أميركا. وقد أثار هذا المشروع الذي بدأ منذ نهاية القرن الخامس عشر وما زال مستمراً ردود فعل مختلفة، كان من نتيجتها تمزيق الأنسجة الداخلية – اجتماعية كانت أو سياسية أو دينية أو ثقافية – لكثير من الأمم والشعوب، وراح كثيرون يتساءلون عمَّا إذا كان التعبير عن "الهمجية الغربية" أقرب إلى الحقيقة من التحدث عن "الحضارة الغربية"، ففي نظر الشعوب غير الغربية، يعتبر الغرب مسؤولا عن الجرائم الفظيعة التي رافقت التوسع الرأسمالي، وعمليات النهب والاستنزاف المنظَّمة والمستمرة للثروات الطبيعية والبشرية بما فيها السيطرة عليها والمتاجرة بها وبيع أبناء "حضارات الأطراف" في أسواق الرقيق[49] لذلك، فإن تَبَنِّي نمط الحياة الغربية، أو بعض جوانبها، لم يكن عن طيب خاطر كما يحلو لبعض الغربيين أن يتصوروا، وإنما ينتج – حسب الأنثروبولوجي الفرنسي الشهير كلود ليفي شتراوس – عن غياب تعدد الخيارات، ولجوء الغرب لفرض نماذجه تارة، وخَلْق المسبِّبات التي تؤدي إلى انهيار الأطر القائمة في الثقافات غير الغربية، تارة أخرى.[50] ما يدلُّ على أن المركزية الغربية ليست سوى "ثقافة" إمبريالية تمثيلية تنميطية غير انعكاسية، بمعنى أنها لا تعكس واقعاُ حقيقياً عن الآخر، وإنما تبحث فيه عن الأفكار المسبقة الجاهزة التي تحملها عنه، وعن الصور الذهنية السلبية التي ترسخت في أعماق الغربيين عن ثقافات "الأطراف " "البدائية"، منذ بدأت أوروبا في إنتاج "آخر" أدنى منها مرتبة وأقل شأناً.

والعالم الإسلامي باعتباره جزءا من هذا "الهامش" المزعوم، نال نصيبه من القدح والاحتقار، حيث أن "الازدراء الذي تَزَاوج مع المركزية العرقية الأوروبية، أنتج صورة مشوَّشة للإسلام والمسلمين، وحرَم العلماء من الدراسة الجادة لإسهامات الإسلام في الفكر الغربي"[51]، كما يقول البروفيسور الأمريكي "جون اسبوزيتو".

هذه الإسهامات التي وصفها المؤرخ الفرنسي "فرنان بروديل" : "بخيرات الشرق ونعمه القيمة" التي تلقتها أوروبا، والمتمثلة في الحساب المئوي (المقسم إلى خانات آحاد وعشرات ومئات...إلخ) والأرقام الهندية (تعرَف أيضاً بالأرقام العربية)، والعلم الإغريقي الذي اكتشفه الإسلام – كما يقول بروديل – والبارود، والبوصلة...وغيرها. مما جعل صاحبنا ينكر على الغرب ما ذهب إليه المؤرخون حول "المعجزة الأوروبية"، وينكر عليه الصورة التي ابتدعها لنفسه حين ادعى بأنه الوحيد الذي سَلَك في عبقرية سبيل العقل إلى العلم والتقنية[52].

والأكيد هو أن هذا الجهل من الغرب للإسلام وإسهاماته لا يعكس فقط نقص المعرفة ولكنه يعكس كذلك الاتجاه الهادف إلى الحط من شأن العدو والتقليل من إنسانيته، لافتراض مكانة متفوِّقة للذات ونَبْذ كل ما من شأنه تهديد عقائد الغرب أو مصالحه عن طريق وَصْم المسلمين بالدُّونِية والهرطقة والتعصب واللاعقلانية[53].وقد ساهمت الدوائر الاستشراقية والكتابات الأنثروبولوجية والأفلام الهوليودية والمقالات الصحفية... إلخ. في ترسيخ هذه الصوَر النمطية للإسلام والمسلمين في الذهنية الغربية.

 

وقد كان الإسلام حسب هذا التصور القروسطي، في أفضل الأحوال هرطقة وفي أسوئها تحديا مباشرا للمزاعم والمهمة المسيحية[54].وهو "عقيدة ابتدعها محمد (...) تتسم بالكذب والتشويه المتعمد للحقائق، إنها دين الجبر، والانحلال الخلقي، والتساهل مع الملذات والشهوات الحسية، إنها ديانة العنف والقسوة"[55].

وقد وظفت هذه الصورة القدحية الدعائية لاستعداء المسيحيين على ما اعتبر خطراً إسلامياً ُمحدِقاً بمناطق النفوذ المسيحي، وهكذا تمّ تبرير الفظائع الصليبية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، وأُلبِسَت لبُوسَ الدفاع عن المسيحية، وإن كانت في حقيقتها ذات أهداف "اقتصادية".

مع منتصف القرن الخامس عشر، أصبح واضحاً للمفكرين الأوروبيين، كما أظهر "آروو سذرن" : "أن عليهم أن يفعلوا شيئا ما حول الإسلام" الذي كانت جيوشه حينذاك قد وصلت إلى أوروبا الشرقية[56]،وبما أن "الاهتمام الأوربي بالإسلام لم يكن مستمداً من الفضول، بل من الفزع إزاء منافس للمسيحية، توحيدي ومتقدم ثقافيا وعسكريا"[57]،فإن تعزيز الوعي المسيحي بالذات دفع المسيحيين، إلى تقديم الآخر المسلم في أبشع الصور وأشنعها، وهكذا صاغت المخيِّلة المسيحية الغربية في العصر الوسيط ثلاث صور نمطية كبرى عن الإسلام: الوثنية، العنف، والشبقية، بكل ما يستتبع ذلك من كفر ووحشية وانحلال[58].

وحين تم استحضار الديانة الإسلامية من جديد في "عصر الأنوار" لم تسمح الحمولات الفكرية التي أُلصِقَت بها واعتبرتها معادية للمسيحية بالقيام بتحليل حقيقي لمضمونها، رغم محاولات أولئك الذين سعوا إلى ربطها بأنماط عيش السكان[59]،حتى أن "فولتير"، وهو أحد زعماء فكر الاستنارة الأوربي، كتب مسرحية شهيرة بعنوان: "التعصب أو محمد النبي" عُرضت لأول مرة في مدينة "ليل" الفرنسية عام 1741م. وقد وصف فيها النبي صلى الله عليه وسلم، بما كان سائداً عنه في أوربا آنذاك، بأنه كان "دجالا، ومستبداً، تحرِّكه الشهوات الحسية، ومتعطشاً للدماء"[60]، وقد تراجع "فولتير" عن هذا الموقف، في مؤلَّفه "دراسة في الأخلاق والعادات"[61]، حيث عبَّر عن إعجابه الشديد بالقرآن والإسلام ومحمد عليه السلام، وهاجم بشراسة ادعاءات الرُّهْبَان مؤكِّداً أن "شريعة الإسلام صالحة لخير الإنسان"[62].

ومع بدايات القرن التاسع عشر، بدأ الغزو الاستعماري الأوربي للعالم الثالث، وبرزت معه النزعة الاستعلائية العنصرية وبلغت عنْجَهِية بعض المستشرقين الغربيين مثل الإنجليزي "ماكولي" حد الادعاء ب "أن رفاً واحداً من مكتبة أوروبية جيّدة يعادل كل التراث الوطني للهند والجزيرة العربية"[63].. هذا الاحتقار تمثَّل أيضاً فيما ذهب إليه المستشرق الفرنسي "شارل بـيلا"Pilla) (من أن "العرب لا يستحقون لغتهم"[64].

وفي هذه المرحلة كان مصطلح "بدائي" سِمَة توصَم بها شعوب العالم الملوَّنة دون أي تمييز، وعكست العلوم الاجتماعية في تطورها هذا التقسيم للعالَم[65]. لن نتحدث عن رأي الأنثروبولوجيين العاملين لحساب الاستعمار، و إنما سنعطي المجال لمن يعد أكثرهم موضوعية حتى نسمع رأيه في الإسلام.إنه كلود ليفي ستراوس.

برز الأنثروبولوجي الفرنسي "كلود ليفي شتراوس" كقائد لثورة إثنولوجية تتحدّى المركزية الغربية، حيث اختط لنفسه منهجاً علمياً رصيناً سار على دربه في دراسة ثقافات المعمورة بما فيها تلك الثقافات المغمورة، محاولا سَبْرَ أغوارها واستجلاء مكنوناتها، وقد حقق في ذلك نجاحاً باهراً، إلا في موضع واحد وأمام ثقافة واحدة !!.. الثقافة العربية الإسلامية، التي تعامل معها بمنهج أقرب إلى الاستشراق المغرِض، منه إلى منهجه في الإثنولوجيا الجديدة التي كان هو نفسه واضع أسسها. ففي مداراته الحزينة (Les tristes tropiques) يخبرنا "ستراوس" بتفاصيل رحلته عبر القطار بين كاشمير وروالبندي في باكستان، هناك حيث جمعته الرحلة مع أسرة مسلمة، كانت الأم – كما يصفها – مُنطَوِية على نفسها، قابعة في عزلتها، تشِيحُ عنه بوجهها وتدِير له ظهرها[66].وكان هذا التصرف – الغريب في تصوره – كافٍ ليَخلُص إلى أنّ اتصال المسلم بالآخر، أمر مقلق له، لأن عقيدته قائمة على نفي هذا الآخر، وعلى عدم القبول بتعدُّدية الإيمان[67].

هذا الموقف الشتراوسي –إن جاز التعبير- يثير الدهشة والاستغراب، ويدفعنا إلى التساؤل حول السر وراء التموقف من هذه المرأة، وبالتالي من ديانتها، بهذا الشكل!! فحتى إذا افترضنا –جدلا- أن موقف المرأة يحيل على شخصية انطوائية، فهل يبرِّر له هذا، الاستناد إلى أعراف مَعِيشَة، وإغفال حقيقة انتماء الإسلام إلى نَسَق الثقافة المدوَّنة ضدّاً على منهجية الإثنولوجيا الجديدة التي أرسى، هو نفسه، دعائمها؟!! ألا يدفعنا هذا إلى الشك في أن رؤية "ليفي شتراوس" للإسلام متأثرة إلى درجة كبيرة – حتى وإن كان لا يدري – بحقل الاستشراق الذي استجاب في معظم الأحوال "للثقافة التي أنتجته أكثر مما استجاب لموضوعه المزعوم"؟[68]

إزاء موقف شاذ كهذا الموقف الذي يصدر عن عالِم مشهود له "بالموضوعية"!! لا يملك المرء إلا أن يجد بعض العذر للإنسان الغربي الذي يحمِل في ذهنه أسوأ التصورات عن العرب والمسلمين، خاصة إذا عَلِمنا بمقدار الكم الهائل من الكتابات الغربية التي تصبُّ في هذا الاتجاه، والتي ترمي المسلمين بالهمجية وتتَّهمهم بالعنصرية زاعمة أنهم لم يقدِّموا شيئاً للحضارة العالمية، وقد يكون آخرها ما كتبه "روبرت كيلروي سيلك" في "الصنداي إكسبرس"[69] البريطانية بعنوان "لَسْنَا مدينين للعرب بشيء" زاعماً أن "شرور الدول العربية لا تنتهي، وأن العرب هَمَج بلا حضارة، ولم يُسْهِموا بأي شيء في الحضارة الإنسانية، في الوقت نفسه فإن البترول الذي يخرج من بلادهم نحن الذين اكتشفناه ونحن الذين ندفع ثمنه لهم"... وتساءل: "فبماذا يسهم العرب إذن؟ (...) هل نكون مغرمين بالعرب بسبب الطريقة التي قتلوا بها أكثر من ثلاثة آلاف مدني في الحادي عشر من سبتمبر، ثم رقصوا في شوارعهم الحارة المتربة احتفالا بالقتل؟ أنكون معجبين بهم بسبب العمليات الانتحارية وكبح جماح المرأة"[70]. وتعتبر هذه المقالة واحدة في سلسلة طويلة من الكتابات الصحفية المعتمِدة على موروث ضخم من العداء للإسلام اشتدَّ مع "الروح الصليبية" واستمر مع المرحلة الاستشراقية، إذ "لم يصبح الإسلام رمزاً للرعب، والدمار، والشيطاني، وأفواج من البرابرة الممقوتين، بصورة اعتباطية.

فبالنسبة لأوروبا، كان الإسلام رجَّةً مأساوية دائمة"[71].أما بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، ونظراً لفقرها الحضاري، فلم تكن علاقتها بالعرب والمسلمين متجذرة تاريخياً، إذ أن أول أفواج المسلمين الذين نزحوا إليها كانوا من إيران ومنذ مدة لا تزيد على المائتي سنة. إلا أنه مع بروزها كقوَّة على الساحة الدولية بعد نهاية – ما سمِّي- بالحرب العالمية الثانية، واعترافها بدولةٍ للكيان الصهيوني على أراض عربية "أصبح المسلم العربي شخصية في الثقافة الشعبية الأمريكية، كما أن "العربي أصبح يولَى اهتماماً جاداً في العالَم الجامعي، وعالَم مخطِّطِي السياسة، وعالَم الأعمال"[72]، غير أن هذا الاهتمام لم يكن يَقصد التعرف على حقيقة الشخصية العربية، بل هَدَف إلى خدمة الاستراتيجيات الأمريكية، وهكذا صوَّرت الكتب المدرسية الأمريكية الإنسان العربي على أنه "أشعت الشعر، غبي، مختلّ عقلياً، نَزِق، قليل الأدب، يتطاول على محيطه، لا يعترف بالحضارة ولا يعرف كيف يتعامل معها"[73]،وازدادت هذه الصورة قتامة بعد حرب 1973، حيث ظهر العربي "في كل مكان شيئاً أبعد تهديداً وأشد خطراً"[74]وتجنَّدَت الآلة الإعلامية الأمريكية لتصويره كمسؤول عن أزمة البترول التي شهدها العالم في تلك الفترة، فامتلأت الصحف بصور كاريكاتورية "لشيوخ" عرب يقفون وراء مضخّات البنزين للتلذذ بمعاناة المواطن الأمريكي أمام نقص النفط. فيما قامت الأفلام الهوليودية بتسويق صورة "العربي الشيخ المسيطر على البترول الذي يحاول قطع شريان النفط عن العالم. وبعد عمليات خطف الطائرات من طرف فلسطينيين، برزت صورة الفلسطيني الإرهابي المتعصب والمتعطش للدماء في حوالي خمسة وأربعين فِيلْماً"[75]،وغداة الثورة الإيرانية، بدأت سياسة إعلامية ممنهجة تَنْضَحُ بالنَّزْعَة "الإسلاموفوبية"[76] وتحذِّر من "الخطر الإسلامي"، وكانت أبرز المقالات التي ظهرت في هذا الصدد تلك التي كتبها في ديسمبر 1979 الصحافي الأمريكي "مايكل وولتزر" بعنوان "الانفجار الإسلامي"[77] وادعى فيها كُرْه المسلمين للولايات المتحدة، لأن الإسلام – حسب زعمه – بطبيعته يهدِّد مصالحها ويعاديها. وهكذا استمر "تصوير المسلمين كاريكاتوريا كَمُوَرِّدِي نفط، وإرهابيين، وغوغاء عطشى للدماء"[78]،و"باتت عبارة الأصولية الإسلامية"[79] وسيلة كافية وإن كانت مضلِّلَة، تستخـدمها الحكومات ووسائل الإعـلام الغربية لتعـريف مجموعات تنتشر في طول العـالم الإسـلامي وعرضه"[80].إلا أن المقالة الأشهر نشـرتها مجلة "أثلنتيك مونثلي" بعنوان "جذور السعار الإسلامي"[81] لصاحبها المستشرق الأمريكي الصهيوني –ذو الأصل البريطاني- برنار لويس، والتي مهدت –بشكل أو بآخر- لمقولة "صدام الحضارات" التي طرحها هنتنغتون. وخـلال حرب الخليج وبعدها أصبحت الكتابات حول الإسلام عُمْلَة رائجة في "السوق الثقافية" الغربية.

لقد جاءت محاولة هنتنغتون لتضيف حلقة أخرى في سلسلة الكتابات المعادية للإسلام و المخوِّفة منه، فمع صـدور مؤلَّفات منذِرة بتدهـور الغرب وأفُـول نَجْمِه، من قَبِيل "تدهور الغرب" الصـادر قبل سنة من نهـاية الحرب العالمية الأولى، للألماني "أوزوالد شبينغلر"، وكتاب "سقوط الحضارة " ل "جوزيف زويس"، و"البحث عن الأيديولوجية البديل" ل"روبير ديون"، وغيرها من إسهـامات لم ينقطع صـدَاهَا حتى يومنا هذا.. مع صدور هذه المؤلفات، بدأ التنظير للإسلام كقوة بديلة على الغرب أن يأخذ حِذْره منها وأن يتنبّه إلى خطورتها.

وهكذا جـاءت أولى المحاولات، خـلال القرن العشرين، من طرف الروسي "تروجانُسكي" الـذي أكد على حاجة العـالم إلى ثـورة ثالثة (بعد الثورة الفرنسية والثورة البلشفية) تقوِّم اعوجاجه، خاصة وأن العالم يومها كان قد خرج لِتَوِّه من حرب مدمِّرة (الحرب العالمية الأولى)، وقد تنبأ تروجانسكي بأن "تلك الثـورة لن تأتي إلا من العالم الإسلامي"[82].

وخلال الحرب العالمية الثانية زعم الألماني "باول شيمتز" في كتابه "الإسلام قوة الغد العـالمية" أن انتفاضة العالم الإسـلامي صوت نـذير لأوروبا. وهتاف يجوب آفـاقها يدعو إلى التجمع والتسـاند الأوروبي لمواجهة هذا العملاق الذي بدأ يصحو وينفض النوم عن عينيه" [83].

قد يكون مفهـوماً، بل ومقبـولا، أن تسُود أوروبا حالة تشاؤم فظيعة بخصوص مصيرها ومستقبلها بسبب الدمار الشامل الذي خلَّفته الحربان العالميتان، غير أنه من غير المستساغ أن يُنظَر إلى العالم الإسلامي ككيان قادر على قيادة العالم، خاصة وأن معظم البلدان الإسلامية، حينها، كانت ترزح تحت قبضة الاستعمار وتخضَع لأبشع أنواع الإفقار والاستغلال. خبا هذا السَّيل من الكتابات خلال الحرب الباردة، لكن بمجرد ما بدأت إرهاصات السقوط الشيوعي تطفو على سطح الواقع الدولي حتى عادت حليمة لعادتها القديمة، فبادر المنظِّرون إلى طرح تصوراتهم حول أسس سياسة ما بعد الحرب الباردة، وكثرت الأقلام التي ترشِّح الإسلام لتعويض "إمبراطورية الشر" السوفياتية، وهو طرحٌ عكسَتْه عناوين الكتب وافتتاحيات الصحف الغربية عموماً، والأمريكية على وجه الخصوص، فأصبح "الخطر الإسلامي" أكثر المواضيع إثارة وجلباً للاهتمام.

بدأت بوادر انهيار الاتحاد السوفياتي مع نهج آخِر زعمائه "ميخائيل غور باتشوف" عام 1985م لسياسة "البريسترويكا" (إعادة البناء)، ممّا دفع الكُتّاب الغربيين إلى تشديد الحملة التي بادروا إلى شنّها على الإسلام غداة إطاحة الثورة الإيرانية "بصديق" الغرب الوفي "الشاه محمد رضا بهلوي".

وهكذا كتب المستشرق الصهيوني "برنار لويس" محذِّراً من "عَوْدَة الإسلام"[84]، ومنذِراً باحتمال ظهور قيادة إسلامية قادرة على الأخذ بيَدِ المسلمين إلى مركز القوة، مستبعداً، في الوقت ذاته، قابلية الإسلام للتعايش مع الآخر والتسامح مع غير المسلمين.

لم تكن محاولة "برنار لويس" هي الأولى من نوعها أو الوحيدة في زمنها، بل تبِعَتها محاولات أخرى شكَّلت مادة دسمة لأعمدة الصحف الغربية، أورِد منها على سبيل الذكر لا الحصر: "الإسلام في حُمَّى"، "فرنسا أرض للإسلام؟"، "فرنسا هل يجب الخوف من الإسلام؟"، "جذور السُّعار الإسلامي"، "الإسلاميون"،"صدام الإسلام والغرب" وغيرها من المقالات التي ساهم فيها العديد من السياسيين البارزين وصانعي القرار والكتّاب، "فمثلا حين طُلِب من "جان كيباتريك"، وهي أكاديمية وسفيرة أمريكية سابقة وتكتب في أعمدة الصحف، أن تُبْدي رأيها حول أزمة الخليج، شرَحَت سبب الحرب بأن النظام العراقي قد اجتاح الكويت لأنه عربي و"العرب لديهم عادة متأصلة جذرياً في تبني سياسات العنف"، وأنه على الرغم من التصرفات التي تثبِت عكس ذلك من قِبل السعوديين والكويتيين خلال أزمتهم ولكنهم "كلهم معجونون من طينة واحدة"[85].

هكذا إذن، وبعد انهيار المعسكر الشرقي، "بدأنا نرى الإسلام يبرُز كعَدُوّ جديد ونرى دراسات تتحدث عن ذلك. ثم تخرج من جامعة هارفرد، أحد أهم الأسماء في الجامعات الأمريكية، نظرية هانتنغتون أستاذ العلوم السياسية يحدِّثنا عن نظرية تصادم الحضارات، ويرى أن الصراع الثقافي بين الحضارتين الغربية والإسلامية يعود إلى 1300 سنة ولا يزال مستمراً".[86]

إن الأمر يتعلق باستحضار التركة الاستشراقية قصد استهداف المسلمين عبر إظهار دينهم كبُعبع قادم قادر على تهديد الغرب، وذلك من أجل خدمة الاستراتيجية الأمريكية القائمة على ضرورة وجود عدو منافس، إنها عقيدة البحث عن عدو، التي لا تترعرع في مرتع التخويف من الآخر، و الآخر هذه المرة-كما في العديد من المرات السابقة- هو الإسلام.إنها نظرية الخوف التي تشكل جزءاً أساسياً من الأيديولوجية الغربية عموماً. وقد تطرَّق لهذه النظرية المفكر الفرنسي "رجيس دوبري" في كتابه "الإمبراطوريات ضد أوربا" الصادر سنة 1985م، أي قبل انهيار المعسكر الشرقي بأربع سنوات، وتساءل عن البديل الذي سيملأ الفراغ الذي قد يحدث فيما لو ذهب الاتحاد السوفياتي، مؤكداً أن هناك خوفاً من الفراغ أو فراغ من الخوف. وتساءل عن كيفية إيجاد البديل للمطرقة الشيوعية أو للفزاعة الشيوعية. وحذَّر من خطر "الأصولية الإسلامية" أو "التطرف الإسلامي"، ثم انتقل للحديث عن أزمة البترول عام 1973م، وقال بأن هذه الأزمة أظهَرَت "أمراء البترول العرب كمعلِّمِين للابتزاز" حيث ابتزوا الغربيين وهُمْ جالسون في قصورهم. ليطرح السؤال فيما إذا كان باستطاعة الغرب اعتبار العداء للإسلام أيديولوجية رسمية له؟[87]

كان هذا قبل سقوط الاتحاد السوفياتي، أما بعد نهاية الحرب الباردة، فقد جنَّد أكاديميو وكالة الاستخبارات الأمريكية أنفسهم للبحث عن عدو جديد، فكان "باري بوزان" أستاذ الدراسات الدولية في جامعة "وورويك" من الأوائل الذين طرحوا فكرة الصدام الحضاري مع الإسلام، وذلك في مقال نشره بعنوان "السياسة الواقعية في العالم الجديد: أنماط جديدة للأمن العولمي في القرن الواحد والعشرين"،[88] وذهب فيه إلى أن الصِّدَام الحضاري سيكون في القرن الحادي والعشرين "أوضح ما يكون بين الغرب والإسلام"، مبرِّراً ذلك بعوامل عدة منها: عوامل ثقافية تعود إلى التنافس التاريخي بين الإسلام والمسيحية، والتعارض بين القيم العلمانية الغربية وبين القيم الإسلامية، وعوامل نفسية مثل "غيرة المسلمين من قوة الغرب"، إضافة إلى عامل "الهجرة إلى الشمال". وهكذا، يقول الكاتب: "فإذا اجتمع خطر الهجرة وخطر تصادم الثقافات أصبح من السهل وضع تصور لنوع من الحرب الباردة الاجتماعية بيْن المركز وجزء من الأطراف على الأقل، ولا سِيَمَا بين الغرب والإسلام". ثم يضيف "الحضارة الهندية" كطرف محتمَل في الصدام الحضاري ضد الغرب، أي أن الحرب الحضارية التي تنبأ بها ستكون بين طرفين: الغرب من جهة والحضارتان الإسلامية والهندية من جهة أخرى.[89]

ويتضح أن هذه الرؤية مهَّدَت السبيل أمام "هنتنغتون" ليطرح نظريته التي أبقى فيها على الإسلام كطرَف في الصدام مع الغرب، مع استبدال "الحضارة الهندية" بالكونفوشيوسية، أي أن الكاتبَيْن اتّفقَا على أن "الخطر الإسلامي الأخضر" حلّ مَحَلّ "الخطر السوفياتي الأحمر". وهذا أمر طبيعي ما دام الاستشراق احتفظ بالاسلام كعدو ثابت على مر الزمان.

وفي هـذا إعداد للرأي الـعام لِمَا تعتزم الإدارات الأمريكية الإقـدام عليه من عُـدْوَان على البلدان المستضعَفة، وخـاصة على العـالم الإسلامي. لذلك صوَّر "هنتنغتون" الإسلام كَدِين عنيف لا يُقِرُّ التسامح أو التعايش مع غير المسلمين، حيث يقول: "الإسـلام منذ البداية كان دين السيف، والإسلام انتشر بالسيف، ويثمِّن ويعظِّم القيم والفضائل العسكرية. الإسلام نشأ وظهر بين قبائل البدو والرّحّل المقاتلين. وهذا الأصل العنيف طَبْعٌ في تأسيس الإسلام، محمد رسول الله نفسه يُذكَر ويشار له كمقاتل صعب وقائد عسكري ماهر...العقيدة الإسلامية تطرح الحرب ضد غير المعتقدين (...) القرآن والأحاديث لا يحتويان إلا على قليل من الحَظْر على العنف، ومفهوم اللاعنف غائب من العقيدة والممارسة عن المسلمين"[90].

هكذا يَختلقون عدوهم، ثم يَعمدون إلى تشويه صورته وتضخيم قوته والمبالغة في وصف خطورته، وذلك لتبرير مخططات ضربه وسحقه. و"من هنا كان اختيار الإسلام والمسلمين لتجسيد فكرة العدو (...) فهو عدو حاضر في الخبرة التاريخية الغربية منذ الحروب الصليبية، ولم يكن أيضا غائباً عن الوعي الغربي المعاصر، فضلا عن المكاسب السياسية والاقتصادية المترتِّبة على الدخول في مواجهات مع هذا العدو، وهي أمور تمكِّن من تبرير هذه المواجهات، وتوظيفها من آن لآخَر لِدَعم المصالح الغربية في العالم الإسلامي وفي دول الجنوب بعامة، أي إكساب فكرة الإسلام كعدو أو خصم مشروعية زائفة لدى الرأي العام الغربي"[91].

نعود إلى هنتنغتون لنؤكد انه حين أثار نظريته حول "صدام الحضارات" اهتزّت أرجاء الكون الثقافية والسياسية، وبادرت إدارة "كلينطون" إلى التنصّل منها، وشهد العالم عاصفة هوجاء تهاجم هذا الطرح وتطرح البديل عنه.. كان البديل العاقل هو حوار الثقافات لتجنب ويلات الصدامات الدينية والعرقية، وساعد على هذا، المناخ الفكري والسياسي العالمي الذي كان سائدا، وإذا بأحداث 11 سبتمبر تقلب كل التكهنات والمعادلات، فأصبحت اللحظة الأمريكية هنتنغتونية، رغم سحب بوش لعبارته حول الحروب الصليبية، واستغلت الإدارة الأمريكية تعاطف العالم معها لتعلن حربها على الإرهاب، وبات كل شرّ في العالم يعلَّق على مشجب "الأصولية الإسلامية"، وضمنياً الدين الإسلامي، حتى غَدَوْنَا نخشى يوماً ربما تحمِّلنا فيه الحكومة الأمريكية مسؤولية الكوارث الطبيعية!!

فبينما حاول "ووكربوش" التمييز بين الإسلام والإرهاب (مع عدم حسن نواياه)، فإن رئيس وزراء إيطاليا اليميني "سيلفيو برلسكوني" والعديد من المنابر الإعلامية الغربية، وقادة الكنيسة الإنجيلية في الولايات المتحدة الأمريكية اتجهوا إلى إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام والمسلمين، وعلى سبيل المثال، قال القسّ "فرانكلين جراهام": "إن إله المسلمين ليس نفس الإله الذي يؤمن به المسيحيون. إنه إله مختلف، وإنني أعتقد بأنه إله شرير، وأن الإسلام ديانة شريرة"[92].

أما القس بات روبرتسون وهو إنجيلي متطرف ويملك أكبر محطة تلفزية أمريكية تبشيرية فقد ادعى في برنامجه التلفزيوني الأسبوعي "نادي السبعمائة" أن "الإسلام يرفض أن يقيم المسلمون أية علاقات صداقة مع غير المسلمين إذ يأمر القرآن المسلمين بقتل غير المسلمين حيثما وجدوهم". مضيفاً أن "هدف المسلمين في أمريكا هو أن يتعايشوا حتى يتحكموا ويسيطروا ثم يدمروا... والإسلام ليس دين سلام، والقرآن يشير بوضوح آمرا المسلمين: إذا رأيت كافراً فيجب عليك قتله"[93].

وخطـورة مثل هذه التصريحات تتمثل في صـدورها عن أشخاص متنفّذين في الإدارة الأمـريكية، التي يتبنى مجموعة من عناصرها هذه المواقف وفي طليعة هؤلاء وزير "العدل" الأمريكي "جون أشكروفت" الذي قال بأن "الإسلام دين يطالبك فيه الرب أن ترسل ولدك ليموت من أجله (أي من أجل الله)، والمسيحية عقيدة يرسل فيها الرب ولده ليموت من أجلك"[94].

في ضوء هذه المواقف المتجنِّية والمتطرّفة كان لابد أن يتعرّض العرب والمسلمون لاعتداءات همجية في شتى الولايات الأمريكية، وإذا قارنّا تجربة العرب والمسلمين في أمريكا بتجربة الأمريكيين في البلدان العربية والإسلامية فإن المقارنة ستُظهِر بوضوح أن الكراهية والتفرقة العنصرية الأمريكية تجاه العرب والمسلمين هي أعمق بكثير من الكراهية التي يحملها العرب للولايات المتحدة بسبب سياساتها الهيمنية.

وإذا كان المسلمـون يكرَهـون العدوان الأمريكي على العالم الإسلامي، فإن بعض السيـاسيين والمثقفين الأمريكيين يزعمـون أننا نعـادي نمط الحياة الأمريكية، بل والـديانة المسيحية، وهـذا هو الجنرال الأمريكي "وليام جيري بويكين" يدّعي "أن المسلمين يعبدون وثناً وليس إلهاً حقيقياً" ويقول "إن المسلمين المتطرفين يكرهوننا لأننا أمة مسيحية" وأن الحملة التي تشنّها أمـريكا على المسلمين "هي معـركة مع الشيطان"، وقد بُثّت هـذه التصريحات على شبكة NBC News وظهر الجنرال "بويكين" في إحدى اللقطات وهو يستدعي من ذاكرته مقـولة مواطن صـومالي مسلم، وهو يقول: "إن القوات الأمريكية لن تنال منا أبداً لأن الله يحمينا" وعلّق "بويكين" على هذه الكلمات قائلاً "أنتم تعرفون ما أعرف، إن إلهي أكبر من إلهه، لقد كنت أعرف أن إلهي إله حقيقي، أما إلهه فمجرد وثن"[95] وقد دافع وزير الحرب الأمريكي عن "بويكين" قائلا: "هذا هو نمط حياتنا... نحن شعب حرّ".[96]

و كأني بالجنرال "بويكين" و الوزير "أشكروفت" يرددان ما ادعاه المستشرق الألماني "تينمان" في كتابه "موقف المسيحية من الإسلام"،حين قال مفسرا الآية 42 من سورة النور:"إن إله الإسلام جبار مترفع، بينما إله المسيحية إله عطوف متواضع ظهر في صورة الإنسان و حل في ذات ابنه"[97].ولعل هذا كفيل بكشف قدرة الاستشراق على صياغة الآراء و المواقف الغربية، حتى و إن كانت مواقف و آراء أشخاص في قمة هرم السلطة.

 

 

 

كلمة أخيرة

إن مسؤولية الاستشراق في تشكيل تصورات الغرب للإسلام و رسم سياساته في البلاد الإسلامية واضحة جلية، و الأخطر من ذلك أنه يوجه الرأي العام الشعبي الغربي ضد دين الأصل فيه أنه جاء للناس كافة، و ضد كتاب سماوي حمل الرحمة و الهداية للعالمين.لذلك فإن واجبنا أن نرد على كل الشبهات الاستشراقية المثارة ضد الإسلام بشكل عام، و القرآن بشكل خاص.و أن نصل إلى أكبر عدد ممكن من الغربيين العاديين الذين سقطوا ضحية أحابيل الاستشراق حتى نوضح حقيقة الدين، و نوصل رسالة رب الناس أجمعين.و في الوقت ذاته فإنّ من واجبنا أيضاً التصدي للنزعة الهنتنغتونية التي استَشْرَت في أذهان بعض المسلمين ، والتي تصوِّر كل الصراعات والنزاعات والخلافات مع الغرب، على أساس أنها حروب دينية. كما تصوِّر العلاقات الإسلامية – الغربية، تصوير العلاقات التصادمية التي يستحيل معها التعايش بين الطرفين، في عملية لتشويه الوعي وتزوير الحقائق.

علينا أن نعترف أن بعض مثقفينا وكتّابنا ومفكرينا يبيعوننا الوهْم، ويعزفون على الوَتَر الذي يطرب الجماهير، ويلقى استحساناً لدى السامعين وتصفيقاً من المتتبعين.

آن الأوان لنعترف بأخطائنا، ونصلح من أمورنا، ونجدّد خطابنا، ونكفّ عن تعليق حماقاتنا على مشجب غيرنا.

آن الأوان لندرك أن خطابنا يكفي أي عدو مؤونة البحث عن حجج وذرائع يُثبِت بها ما يتّهِمنا به زوراً وبهتاناً.

فلنَنْظر إلى أحوالنا، إلى واقعنا، إلى وضعنا، إلى حالنا، ولنفكّر ملياً ماذا نحن فاعلون.

لقد مارس الغرب جرائمه وإرهابه في حق العرب والمسلمين منذ القِدم وما يزال، ولا شكّ أن الوحشية الغربية وخاصة الأمريكية، من أسباب التطرف في العالم، لكن هل تبرِّر هذه الوحشية الرد عليها بمِثلها؟ هل يقرُّ الإسلام قتل الأبرياء؟ هل يبيح سفْك دماء غير المُحارب لمجرد أنه ليس مسلماً؟

علينا أن نعي بأننا أمة صاحبة رسالة، و أن الأصل في أمة هي صاحبة رسالة أن تكون مبادرة للحوار، أي أن يقول المسلمون تعالوا ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم﴾، و الشرط المنهجي في هذا الحوار أن يكون بالتي هي أحسن﴿ و جادلهم بالتي هي أحسن﴾.

على أن هذا التبني لخيار الحوار لا يعني الخضوع لنمط واحد من أنماط الحياة البشرية والقضاء على ما سواه، كما تسعى، إلى ذلك، قوى الاستكبار عن طريق هذا الزحف العولمي المتوحش الذي لا يراعي خصوصيات الشعوب ولا ثقافاتها ويتدخل حتى بين المرء وزوجه فيسنّ التشريعات ويغيّر أنماط السلوك والعلاقات، ويسعى لأمركة العالم وطمس هويات الآخرين ومسخ ثقافاتهم وإلغاء مبدأ التعددية الثقافية، دون اعتبار لحق الآخرين في الاختلاف.

لذلك، فإن الحوار لا يكون بين العبيد والأسياد، وإنما بين الأنداد، إذ ينبغي أن نكون في موقع قوة... وموقع ثقة لنستوعب تقدم العصر بالشكل السليم وبالشكل الصحي... وإذا بقينا في موقع الضعف الحالي فلن نقدر على هضم الحضارة لأن المعدة المريضة لا تستطيع هضم الغذاء القوي.

إن الحوار مع "الآخر" حتمي ولا مفر منه، ولن نستطيع إثبات حضورنا كطرف قوي في هذا الحوار إلا إذا كان لنا كياننا الخاص، ووفرنا قوة تحمي هذا الكيان، قوة تمنحنا مناعة وممانعة نستطيع من خلالهما ممارسة سلوكيات التدافع مع الكيانات الأخرى، هـذا التدافع الحضاري الذي جعله الله تبارك وتعالى سنّة كـونية حيث يقول: ﴿ ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين.[98] سنّة التدافع هاته، المستمدة من سنّة الاختلاف ﴿ وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا، ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون[99]،ومن قوله جلَّ وعلاَ: ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك، ولذلك خلقهم، وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين[100].

ولأن الاختلاف – كما التدافع – سنّة من سنن الله في خلقه، فإن السنّة التالية هي التعارف والتعاون والتلاقح الحضاري، ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير[101].

هذا التعارف والتآلف هو شرط عيش الناس في أمن وأمان ﴿ ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز﴾.[102]

على أن البدء في أي حوار مع الآخر يشترط أن يكون مسبوقا بحوار مع الذات، لأن الأمة التي تعترف بأخطائها ينصلح حالها، وتصنع انتصاراتها من قلب هزائمها و ذلك بوقفة صريحة مع أنفسنا، واعتراف بكل أخطائنا، و إدراك لمصالحنا، و تصالح مع هويتنا، وقبل هذا و ذاك بعودة إلى ديننا،و اهتداء بقرآننا حتى نستطيع الظفر ببعض كنوزه التي ما تزال غائبة عنا، علينا أن نعطيه كلَّنا لكي يعطينا بعضه، و بهذا فقط نكون مؤهلين لاكتشاف خطابه المتجدد.

 



[1] - Norman DANIEL,Islam and the west,the Making of an image,Edinburg Université Press,1960 P 252

[2] - نقلا عن جورافسكي، ألكسي ، الإسلام و المسيحية، ترجمة: خلف محمد الجراد،عالم المعرفة،الكويت،ط1996،ص91

[3] - سعيد ،إدوارد ، الاستشراق.المعرفة،السلطة،الإنشاء،ترجمة: كمال أبو ديب،مؤسسة الأبحاث العربية،بيروت،ط3،1991،ص55

[4] - سعيد، ادوارد ، الاستشراق، م.س، ص 120

[5] - عزوزي ،حسن ، دراسات في الاستشراق و مناهجه، مطبعة أنفو،فاس،ط1 ،1999، ص4

[6] - S.Zwemer,The translation of the Quran.The Muslim World (1913) P.295

نقلا عن: غراب،أحمد ، رؤية إسلامية للاستشراق،المنتدى الإسلامي،لندن،ط2، 1411، ص32

[7] - E.M.Wherry :A Comprehensive Commentary on the Quran,Comprising Sale’s Translation and Preliminary Discourse (1986 Rresint AMS Press N.Y.1975)PP.5,8,16-17

نقلا عن: غراب، أحمد ، رؤية إسلامية للاستشراق،م.س،ص34

[8] - اللبان، ابراهيم ،المستشرقون و الإسلام،ملحق بمجلة الأزهر،أبريل 1970،ص44.نقلا عن: زقزوق ،محمود حمدي ،الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري،سلسلة كتاب الامة،عدد5،ص83

-[9] .M.Wherry :A Comprehensive Commentary on the Quran,Comprising Sale’s Translation and Preliminary     Discourse, Ibid,PP7-8

نقلا عن: غراب، أحمد ، رؤية إسلامية للاستشراق،م.س،ص35

[10] - م.ن،ص.ن

[11] - W.Montgomery Watt,Bell’s Introduction to the Qur’an (Edinburgh U.P 1977) P174

نقلا عن: غراب ،أحمد ، رؤية إسلامية للاستشراق،م.س،ص36

[12] - بيل، ريشارد ، الإسلام المتطرف، طبعة الجيماري 1989،باريس، ص ص98-99.نقلا عن:مخمد الشفاقي،الفكر الإسلامي في مواجهة الخضارة الغربية،ج1،ط1995،ص300

[13] - اللبان ،ابراهيم ،المستشرقون و الإسلام،م.س ،ص45/44.نقلا عن:محمود حمدي زقزوق،الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري،م.س،ص84

[14] -أنظر: وات ،مونتغمري ،محمد في مكة،ترجمة عبد الرحمن الشيخ و حسين عيسى،الهيئة المصرية العامة للكتاب،ط2002،ص109

[15] - وات، مونتغمري ،محمد في مكة،ترجمة عبد الرحمن الشيخ و حسين عيسى،الهيئة المصرية العامة للكتاب،ط2002،ص112-113

[16] - م.ن،ص123

[17] - م.ن،ص130

[18] - م.ن،ص214

[19] -أنظر: الدسوقي ،محمد ،الفكر الاستشراقي تاريخه.. و تقويمه،دار الوفاء،المنصورة،ط1،1995،ص97

[20] - الشفاقي ،محمد ،الفكر الإسلامي في مواجهة الحضارة الغربية،ج1،م.س،ص312

[21] - غلاب ،عبد الكريم ،نظرات استشراقية في الإسلام،ص41/42،نقلا عن: زقزوق، محمود حمدي ،الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري،م.س،ص84

[22] - Bernard LEWIS : The Arabs in History(London 1968)PP 38-39

نقلا عن: غراب، أحمد ، رؤية إسلامية للاستشراق،م.س،ص112

[23] - دراز ،محمد عبد الله ،مدخل إلى القرآن،ص165

[24] - زقزوق ،محمود حمدي ،الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري،م.س،ص85-86

[26] -م.ن

[27] -م.ن

[28] -م.ن

[29] - واضح من سياق الكلام أن المقصود بغير مثقف هو أمية الرسول صلى الله عليه و سلم.وليس المقصود القدح في شخصه عليه السلام

[30] - فاغليري ،لورا فيشيا ،دفاع عن الإسلام،ترجمة منير البعلبكي،دار العلم للملايين،بيروت،ط3،1976،ص58

[31] - بوكاي ،موريس ،التوراة و الأناجيل و القرآن الكريم بمقياس العلم الحديث،ترجمة علي الجوهري،مكتبة القرآن،القاهرة،ط1999،ص175

[32] -م.ن،ص255

[33] -م.ن،ص181

[34] - م.ن،ص256

[35] - م.ن،ص262

[36] -- م.ن،ص173

[37] - سعيد ،إدوارد ، الاستشراق.المعرفة،السلطة،الإنشاء،م.س،ص288

[38] - زقزوق ،محمود حمدي ،الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري،م.س،ص89-90

[39] -- زقزوق ،محمود حمدي ،الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري،م.س،ص90-91

 

[40] - الدسوقي ،محمد ،الفكر الاستشراقي،م.س،ص ص 101-102

[41] - عزوزي ،حسن ، دراسات في الاستشراق و مناهجه،م.س،ص ص21-22

[42] - فاغليري، لورا فيشيا ،دفاع عن الإسلام،م.س،ص56

[43] -م.ن،ص58

[44] - بوكاي، موريس ،التوراة و الأناجيل و القرآن الكريم بمقياس العلم الحديث، م.س،ص174

[45] -م.ن،ص174-175

[46] -م.ن،ص178-179

[47] -بلاشير،القرآن،ص41،نقلا عن: محمود حمدي زقزوق،الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري،م.س،ص95

[48] - زقزوق ،محمود حمدي ،الاستشراق و الخلفية الفكرية للصراع الحضاري،م.س،ص97

[49]- إبـراهيم، عبد الله. المـركـزية الغربية، إشكــالية التكـون والتمـركز حـول الذات، المــركز الثقـافي العــربي، الدار البيضــاء – بيــروت، الطبعة الأولى 1997، ص: 33.

 

[50] - شتراوس، كلود ليفي. العرق والتاريخ، ترجمة: سليم حداد، المؤسسة الجامعية، بيروت، ط. 1981، ص: 41

[51] - اسبوزيتو، جون. التهديد الإسلامي خرافة أم حقيقة؟ ترجمة د. قاسم عبده قاسم، دار الشروق، القاهرة، ط. 2002، ص: 70

[52] - بروديل، فرنان. الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية، ج 1، م. س، ص: 723-724

[53] - اسبوزيتو، جون. التهديد الإسلامي خرافة أم حقيقة؟ م. س. ص: 71.

[54] اسبوزيتو، جون. التهديد الإسلامي، خرافة أم حقيقة ؟ م. س. ص: 60

[55] - جرافسكي، ألكسي. الإسلام والمسيحية، ترجمة: خلف محمد الجراد، سلسلة عالم المعرفة، مطابع السياسة، الكويت، ط. 1996، ص: 75.-

[56] - سعيد، ادوارد. الاستشــراق.. المعـرفة، السلطة، الإنشـاء، ترجمة: كمــال أبو ديب، مــؤسسة الأبحـاث العــربية، بيــروت، الطبعة الثـالثة 1991، ص: 91.

[57] ، ادوارد سعيد. تعقيبـات على الاستشــراق، تـرجمة: صبحي حـديدي، المـؤسسة العـربية للـدراسـات والنشر، بيـروت 1986، الطبعـة الأولى، ص: 119.

[58] - أفاية نور الدين، الإسلام في متخيل الغرب، م. س. ص:

[59] - فارغاس إيف، تأمـلات حول الحــوار بين الثقــافات، ندوة: حــوار الثقــافات: هل هو ممكن؟ أكــاديمية المملكة المغربية، الرباط 13-14-15 دجنبر 2003.

[60] - زقزوق محمود حمدي، الإسلام في تصورات الغرب، ص: 142 بتوسط: أحمد عبد الوهاب، الإسلام في الفكر الغربي، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة، ط. 1993، ص: 89.

[61] -أنظر المجلد الثالث من أعمال فولتير المنشورة عام 1835

[62] - أنظر المجلد السابع من القاموس الفلسفي لفولتير، ص: 8 إلى 45.

[63] - وورسلي، بيتر. العالم الثالث، ترجمة: حسام الخطيب، منشورات وزارة الثقافة والسياحة والإرشاد القومي، دمشق، ط. 1968، ص: 43

[64] - رودنسون، ماكسيم. حوار مع جان دانييل، لونو فيل أو بسيرفاتور، باريس، عدد 25 يونيو، 1 يوليوز 1998، ص: 75

[65] -ياسين، السيد. الشخصية العربية بين صورة الذات ومفهوم الآخر، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1981، ص: 72.

[66] Strauss,Claude - Levi. Tristes tropiques, librairie plop, Paris 1995, p: 455

[67] م. ن. ص: 464

[68] سعيد، إدوارد. الاستشراق... المعرفة، السلطة، الإنشاء، م. س. ص: 55.

[69] نائب عمالي سابق في مجلس العموم البريطاني، ومقدم برنامج يومي على قناة "B.B.C

[70] جريدة اللواء الإسلامي، عدد 15 يناير 2004، ص: 1

[71] سعيد، ادوارد. الاستشراق... المعرفة، السلطة، الإنشاء، م. س. ص: 89

[72] م.ن. ص: 285

[73] العرب والمسلمون في الإعلام الغربي، برنامج سينما وأخواتها، قناة المنار، 13 فبراير 2004

[74] سعيد، إدوارد. الاستشراق... م. س. ص: 286.

[75] العرب والمسلمون في الإعلام الغربي، قناة المنار، م. س

[76] الإسلاموفوبيا اصطلاح مركب من كلمتي إسلام وفوبيا، وتعني "فوبيا" Phobie الخوف المرضي غير المبرر من شيء ما في اللحظات الحرجة، وأصلها الإغريقي Phobos، أي الخوف، وبذلك فالإسلاموفوبيا هي تلك الحالة من الهلع التي تنتاب بعض الغربيين من الإسلام، وهي حالة غير مبررة تغذيها وسائل الإعلام الغربية

[77] وولتزر، مايكل. "الانفجار الإسلامي"، مجلة التايمز الأمريكية، عدد: الأسبوع الثاني من ديسمبر 1979

[78] سعيد، ادوارد. تغطية الإسلام، ترجمة سميرة نعيم خوري، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، الطبعة الأولى 1983، ص: 38

[79] يرى جون اسبوزيتو، أن عبارة الأصولية الإسلامية تستدعي إلى الذهنية الغربية "تصورات عن جموع من الغوغاء تهتف بالموت لأمريكا، وسفارات تلتهمها النيران، وقتلة وخاطفوا طائرات يهددون حياة الأبرياء، وأيد يتم بترها، ونساء مقهورات"، انظر "التهديد الإسلامي خرافة أم حقيقة، دار الشروق،ط2 ،2002، ص 111.

[80] اسبوزيتو، التهديد الإسلامي... م. ن. ص: 111

[81] Lewis Bernard, The Roots of Muslim Rage, Atlantic Monthly, vol september 1990

[82] نقلا عن: عبد الكريم، حيدر. المسلمون والبديل الحضاري، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن، ط. 1992، ص: 34.

[83] ، باول شميتز . الإسلام قوة الغد العالمية، ترجمة: د. محمد شامة، مكتبة وهبة، القاهرة، ط. 1971، ص: 334

[84] Lewis, Bernard. Le retour de l'Islam, ed: Gallimard, Paris, 1985, p: 89

[85] غريب، إدمون. الإعلام الأمريكي والعرب، المستقبل العربي، العدد 260، أكتوبر 2000، ص: 81

[86] م. ن، ص: 80

[87] (2) أنظر: Derby, Regis. Les Empires contre l'Europe, Gallinard, Paris 1985, p: 171

[88] Buzan, Barry. New World realpolitik: New Patterns of global security in the twenty first century, International Affaires, vol 67, N° 3July 1991

[89] أنظر: الجابري، محمد عابد. الإسلام من منظور الإمبريالية الأمريكية، مواقف، الكتاب 23، الطبعة 1، يناير 2004، ص: 8

[90] هنتنغتون ، صموئيل. صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي،ترجمة:مالك عبيد أبو شهيوة،محمود محمد خلف،الدار الجماهيرية للنشر،ليبيا،ط1 ،1999،ص: 449-450

[91] شومان، محمد. العرب والغرب، م. س. ص: 38-39

[92] أنظر: مجلة تايم الأمريكية، عدد10 دجنبر 2001

[93] أنظر: واشنطن بوست، عدد 23/02/2002 وقناة CNN 25/02/2002

[94] أنظر مقابلة أشكروفت مع الصحافي المتطرف كارل توماس على موقع: www. Crosswalk. com

[95] أنظر: مجلة المستقبل، العدد 149، نونبر 2003، ص: 12

[96] م. ن،ص.ن

[97] تنمان،موقف المسيحية من الإسلام،ط برلين 1889،ص28. نقلا عن: الشفاقي،محمد.الفكر الإسلامي في مواجهة الحضارة الغربية،ج1،م.س،ص310

[98] سورة البقرة، الآية: 249.

[99] سورة يونس، الآية: 19

[100] سورة هود، الآية: 118

[101] سورة الحجرات، الآية: 13

[102] سورة الحج، الآية: 38.

العولمة :

المفهوم، والعلاقة بالمفاهيم الاجتماعية، في ظل التطور التاريخي

                                                                             

أ/ عبدالله أحمد المصراتي

أستاذ بقسم علم الاجتماع بجامعة

المرج للأقسام- ليبيا

قبل البدء في الحديث عن مفهوم العولمة Globalizationلابد من الإشارة إلى أن أغلب المحولات الاجتهادية الرامية تبيان مفهوم ودلالة ظاهرة العولمة لم تبلغ مبتغاها ومرامها الأساسي بعد، فالبعض من تلك الاجتهادات اقتصرت على وصف هذه الظاهرة على أنها عملية أمركة العالم، أي نشر الثقافة الأمريكية بحيث تغلب على الثقافات المجتمعية الأخرى(1)، ويرها البعض الآخر على انها الوجه الآخر للهيمنة الإمبريالية على العالم تحت الزعامة المنفردة للولايات الأمريكية، فهي ابشع واحدث صور الهيمنة الاستعمارية(2)، وثمة من ينظر إليها بمنظور أوسع، ملخصه أن العولمة تمثل عملية رسملة العالم، أي أن العولمة عملية يراد منها نشر مبادئ النظام الاقتصادي الرأسمالي وفرضه على عامة الأساليب الاقتصادية التي تتبعها المجتمعات الأخرى(العولمة الاقتصادية)(3)، في حين يذهب فريق ثالث للقول بأن العولمة ظاهرة تنحو بالمجتمعات الإنسانية قاطبة نحو التجانس(التشابه) الثقافي وتكوُّن الشخصية العالمية ذات الطابع الانفتاحي على ما حولها من مجتمعات وثقافات مختلفة (العولمة الثقافية و ثقافة العولمة)(4)، ويعول أنصار هذا الفريق على جملة التطورات الهائلة الحادثة في قطاع الاتصالات والمواصلات بين المجتمعات الإنسانية المختلفة والتي أسهمت بشكل كبير في نشر ثقافات المجتمعات بخاصة المتقدمة والتي ترنو المجتمعات النامية بلوغ مستوى تطورها الصناعي والاقتصادي والعلمي، وعموما يبدو أن منظار هؤلاء  للعولمة أوسع نطاقا مما سبق عرضها .

 

هذا من جهة تباين المفكرين من حيث اتساع أو ضيق نظرتهم للعولمة، ومن جهة ثانية، يبدو الاختلاف في المؤشرات الكمية والكيفية والتي تنم على الدخول في عصر العولمة، فنجد الاقتصاديين يرون أن الشركات والمصارف العملاقة متعددة، ومتعدية الجنسية، والهادفة إلى الربح الفاحش، وذات المبادئ الرأسمالية هي من أبرز المؤشرات على هذا العصر الجديد، في حين يرى السياسيون أن ظاهرة ضعف نظام الدولة القومية في العالم وانتشار التيارات المطالبة بالحرية والديموقراطية هي المؤشر الحقيقي على عصر العولمة، أما الاجتماعيون فنجدهم يركزون على عمليات التجانس الثقافي المتوقع حدوثها بين أقطار العالم، وتبلور الشخصية العالمية، وتمركز مصادر القوة في الجوانب الاقتصادية والمالية، معتبرين ذلك من مؤشرات عصر العولمة، هذا ويذهب الإعلاميون للتأكيد على أن التطور في وسائل الاتصال والإعلام بوجه الخصوص هي من دواعي الدخول في عصر المعلومات . 

 

هذا، يبدو الاختلاف بين العلماء والمفكرين، من جهة ثالثة، في الزاوي التي يركز عليها كل فريق منهم، فالبعض يذهب حين تحديد ماهية مفهوم العولمة للتركيز على الآثار السلبية(5) أو المضعفات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية للعولمة، والتي بات العالم بأسره يعاني من ويلاتها بما في ذلك دول العالم الغني، والتي عادت ما يُنسب لها منشأ العولمة. إن أصحاب هذا المذهب يمثلون الفريق المعارض أو النابذ للعولمة. في مقابل هذا الفريق نجد فريق ثان يؤكد على بعض الإيجابيات التي تتضمنها ظاهرة العولمة والتي من أبرزها الانفتاح على العالم والتبادل الثقافي والاقتصادي التجاري، وشيوع مبادئ الديموقراطية بالمنظور الغربي، أي القائمة على التعددية الحزبية، وتأكيد قيم احترام الإنسان وتقدير آدميته وحقه في الحياة الكريمة . في مقابل هذين الفريقين نجد فريق ثالث يقف موقفا متحفظا من التغيرات العالمية الجديدة (مؤشرات عصر العولمة)، هادفا، هذا الفريق، تجنب مساوئ العولمة والتي منها مثلا انتشار الجريمة المنظمة والجرائم الحديثة والفساد الإداري وجرائم المخدرات والعنف والإرهاب والانحلال الخلقي، وضعف قدرة النظام الداخلي على الإمساك بزمام الأمور بالدولة(انهيار الدولة القومية)  وأزمة المديونة للعديد من المجتمعات النامية، وارتفاع معدلات الهجرة وازدياد عدد من هم تحت خط الفقر(6)..الخ، كذلك يهدفون استثمار مميزات العولمة أو محاسنها والتي من أهمها التطور الحادث في مجال التقانة (التكنولوجيا) وبخاصة في مجال التصنيع والإعلام والاتصال واستخدام الطاقة ... الخ، ويرى متزعمو هذا الفريق أن النجاة من مضعفات العولمة تتمثل فيما يُصطلح عليه (بالفضاء الجغرافي، والمجال الحيوي)، وتتلخص هذه الفكرة في ضرورة أن تتكتل الدول القزمية ذات المجال الجغرافي المتقارب في مجال حيوي يناسبها تجنبا لجبروت الدول العملاقة والاتحادات الكبيرة، وهذا ما يضمن لها مكانتها بين الدول والتكتلات الأخرى القائمة في الغالب على أساس من المصلحة والتبادل الاقتصادية والتجاري   .

 

عموما يحاول "محسن الخضيري"(7) في كتابه "العولمة" 2000 تعريف مفهوم العولمة والوقوف على أهم جوانبه فيقول : أن العولمة مفهوم "يعبر عن حالة من تجاوز الحدود الراهنة للدول إلى آفاق أوسع وارحب تشمل العالم بأسره"، أي بمعنى أن العولمة تمثل الانفتاح على العالم والتأثير الثقافي المتبادل بين أقطاره المختلفة . ومن أهم مؤشرات العولمة التي يطرحها "الخضيري" الآتي :

1.حرية حركة السلع والخدمات والأفكار والتبادل الفوري دون حواجز أو حدود .

2. تحول العالم إثر التطور التقني والتيار المعلوماتي إلى قرية كونية صغيرة بل كوخ إلكتروني .

3. ظهور نفوذ وسطوة الشركات متعددة ومتعدية الجنسيات وفوق القومية .

4. بروز تيارات فكرية منادية باحترام حقوق الإنسان وآدميته ورفع الاستعباد والجور والطغيان والتعسف وكل أشكال الهيمنة والقهر .

 

ومن جهة ثانية يورد "الخضيري" أن للعولمة جوانبها المتعددة، منها السياسي والمتجلي في انهيار الدولة القومية، وسيادة فكرة الديمقراطية والمطالبة بحقوق الإنسان ، ومنها الاقتصادي المتمثلة في الأسواق الحرة والشركات متعددة الجنسيات ومتعدية الحدود، ومنها الاجتماعي والثقافي المتمثل في الاتجاه نحو التجانس الثقافي، وانفتاح الأنظمة الاجتماعية وبخاصة نظام التدرج الاجتماعي ونظام الأسرة ، والجوانب التكنولوجية أو التقنية المتمثلة في التقانة وبخاصة الصناعية والحربية والكمبيوتر ووسائل الاتصال التي تستخدم تقنيات الأقمار الصناعية .

 

ومهم يكن من أمر هذه المحاولات، فلا يبدو للباحث هنا أنها توضح المفهوم توضيحا يُقبل وفق المنطق العلم منهجي؛ فالمفاهيم العلمية Concepts scientism أدوات ذات أهمية علمية كبيرة في تواصل جمهور العلماء وتفاهمهم والتعبير عن طروحاتهم، فهي تستخدم للتعبير عن مكنون الأفكار وشرح النظريات العلمية المفسرة للظواهر محل اهتمام الفرع العلمي الذي ينتمي إليه هذا أو ذاك العالم(8) . ومن هنا فإن تعريف المفاهيم أمر غاية في الأهمية في أي مجال علمي . والحقيقة أن أغلب مفاهيم العلوم السلوكية وبخاصة الاجتماعية تتداخل في معناها وتحتاج جهدا ذهنيا كبيرا للفصل بينها من حيث ما تشير إليه، ومن بين الأساليب الناجعة لهذا الغرض هو مقارنة هذه المفاهيم ببعض لوضع الفواصل بين ما تشير إليه، وأني أعتقد أن هذا الأسلوب سيساعد كثير في توضيح فهم مدلول كل مفهوم بما في ذلك المفاهيم حديثة الاستخدام كمفهوم العولمة .

 

مفهوم العولمة وعلاقته بالمفاهيم الاجتماعية الأخرى

قبل اتباع هذه الآلية في تعريف وتحديد ماهية مفهوم العولمة لابد من الوضع في الاعتبار بعض النقاط الآتية :

1.    أن العولمة ظاهرة عالمية نشأت إثر تراكم عوامل عدة منها الاقتصادي ومنها الاجتماعي الثقافي ومنها السياسي ومنها العلمي التقني فهي ليست محض صدفة .

2.    أن العولمة تشير إلى مرحلة من مراحل التطور التاريخي للمجتمعات الإنسانية وكانت بدايتها الأولى مع دخول العالم عصر حرب النجوم وسباق التسلح .

3.    أنه ليس ثمة دولة بعينها مسؤولة عن تطور هذه الظاهرة العالمية والتي تمثل مرحلة تطور زادت معها درجة تعقيد الحياة الاجتماعية .

4.    أن للعولمة أثارها الإيجابية وكذلك لها مضعفات سلبية لم تنجو منها حتى تلك الدول التي تدعي أنها المسؤولة عن نشؤ ظاهرة العولمة في العالم .

5.  أن الشركات المتعددة الجنسيات والمتعدية الحدود، والثورة المعلوماتية، والتطورات الهائلة في مجالات عدة من أهمها الفلك والطب والكمبيوتر ليست إلا نتاج تراكم المعرفة العلمية ولم تكن في منشأها نتاج صدفة، وهي من أبرز مؤشرات العولمة  .

 

   على هذا النحو تكون العولمة عبارة عن مرحلة من مراحل التطور التاريخي للمجتمعات الإنسانية أسهمت في إحداثها مجموعة من العوامل وبرزت لها العديد من المؤشرات الكيفية والكمية وهي تمثل ظواهر برزت بشكل أوضح بعد دخول العالم مرحلة التصنيع المتقدم .

 

   وفق هذا التصور تكون العولمة ضرب من التغير الاجتماعي Social change الحادث على المجتمعات الإنسانية، فالعولمة لا تعدو أن تكون نقلة من النقلات التي تخطوها المجتمعات الإنسانية نحو مزيد من التعقيد الاجتماعي المادي، والاعتماد على التقانة المعقدة، وإن الفارق الجوهري ما بين التغير الاجتماعي والعولمة يكمن باعتقادينا في  أن التغير يشير إلى أي نوع من أنواع التبدل أو التحول الحادث على تركيبة المجتمع سواء كان هذا التغير إيجابيا أو سلبيا تقدميا أو انتكاسيا سريعا أو بطئا عميقا أو سطحيا ..الخ، أما العولمة فهي حالة من التغير تشير إلى تحول المجتمعات الإنسانية نحو مزيد من التعقيد الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتقاني . بمفهوم أيسر، التغير هو مفهوم أشمل من العولمة إذ الأخير يستظل بمظلة الأول أو يدخل تحت صنوفه . لاحظ هنا أن الفارق ما بين مفهومي العولمة والتغير مثله مثل الفارق بين مفهومي التحديث الاجتماعي والتغير الاجتماعي، فهما من نفس الفئة ولكن لا يشيران إلى نفس الشيء، فالتحديث هو عبارة عن تغير، ولكنه تغير إيجابي عادة ما يكون مقصودا من قبل الجهات المسؤولة عن التخطيط الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع(9). كذا مفهوم العولمة فهو يشير أيضا إلى ضرب من التغير الاجتماعي العام والذي ينم عن ازدياد درجة التعقيد الاجتماعي والاقتصادي في المجتمع، غير أنه لم يكن مقصودا بالدرجة التي قُصد بها إحداث التحديث الاجتماعي بالمجتمع . هذا ناهيك عن أن العولمة تشير إلى التغير على مستوى العالم الإنساني، أما التحديث فهو يشير إلى التغير على مستوى المجتمع الواحد، وللدلالة على هذه التفرقة ما بين مفهومي التحديث والعولمة (وهى فروق كمية أكثر من كونها فروق نوعية ) نجد البعض من المنتمين إلى علم الاجتماع بالدرجة الأولى يشيرون إلى عصر العولمة بأنه "عصر ما بعد التحديث الاجتماعي" أو "مرحلة ما بعد التصنيع"(10) ، وهذا ما يشير بوضوح إلى أن هذه المرحلة الجديدة ما هي إلا امتداد للمرحلة القديمة والتي تمثل التحديث الاجتماعي .

 

التطور التاريخي لظاهرة العولمة

      قد يسهم سرد تاريخ تطور المجتمعات الإنسانية في فهم مفهوم العولمة وكشف حقيقة التصورات الخاطئة التي وقع فيها الكثير من متناولي هذا المفهوم . لقد كانت المجتمعات الإنسانية تعيش في شكل تكتلات مستقلة عن بعضها البعض، وذلك بعد استئناس الحيوان واعتماد الزراعة البسيطة في أسلوب المعيشة، ومع الاستمرار في التطور دخلت المجتمعات مرحلة الإقطاع (مُلاك المزارع) ولقد زادت التطورات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بعد اكتشاف العالم الجديد فابتُكرت أول الآلات الصناعية وكانت تلك النقطة مرحلة دخول المجتمعات الإنسانية مرحلة الصناعية (الثورة الصناعية)، وهذه المرحلة تمثل بدايات التحديث الاجتماعي في المجتمعات المتقدمة، بدأت ثقافة التحديث الاجتماعي والسياسي منذ ذلك الوقت في الانتشار بأرجاء العالم بعد التطور النسبي في وسائل الاتصال والمواصلات عبر المجتمعات .

 

   لم يقف التطور والتعقيد بتركيبة المجتمعات الإنسانية عند هذه النقطة - بالرغم من وجود بعض المفكرين الذين أدعو أن هذه المرحلة(الرأسمالية الحديثة) من التطور تمثل نهاية الحركية التاريخية (الديناميكية) التي تمر بها المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها الطويل، ومن أمثال هؤلاء الياباني "فوكوياما(11)"- بل زاد التطور بدرجات أكبر مما كان يتوقعه البعض في مجالات عدة منها الاتصالات والمواصلات والبحث العلمي في مجال الوراثة والفلك، والصناعات التقنية وفي مجال صناعة الإنسان الآلي (الروبوت)... الخ، كما تطورت أساليب استخدام الطاقة، الأمر الذي ترتب عليه التغير في المبادئ الاقتصادية والسياسية والتركيبات الاجتماعية لأبنية تلك المجتمعات على نحو ما نشهد في العالم اليوم .

 

        هذه المرحلة هي باختصار  مرحلة العولمة (أي جملة التطورات المعقدة التي طرأت على تركيبة المجتمعات الإنسانية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية إثر بزوغ جملة من المتغيرات جراء  خروج العالم من مرحلة التحديث الاجتماعي ودخوله في مرحلة ما بعد التصنيع الثقيل والاتجار الحر، والحرب النووية ) .

الهوامش والمراجع

 

1.  أنظر: ليث عبد الحسن جواد، المضامين الاجتماعية للعولمة، مجلة دراسات، السنة الأولى، العدد الرابع، 1999، ص 46 . 

2.  نداء مطر صادق، العولمة واختراق السيادة، المرجع السابق، ص 60 .

3. شفيق الطاهر، العولمة واحتمالات المستقبل،مجلة دراسات، العدد الأول 1999، ص ص7 – 11 . 

4. عبد الإله بلقزيز، العولمة والهوية الثقافية( عولمة الثقافة أم ثقافة العولمة)، مجلة المستقبل العربي، العدد234، 1998، ص ص 91 – 99 .

5. حول الآثار السلبية للعولمة أنظر: مصرف ليبيا المركزي، العولمة وبديلها، وآثرهما على البلدان النامية، النشرة الاقتصادية، الجلد 40، 2000، ص ص 3-4 . 

6.  أنظر : المم المتحدة لبحوث التنمية الاجتماعية، حالات فوضى: الآثار الاجتماعية للعولمة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1997 . 

7.   د. محسن أحمد الخضيري، العولمة " مقدمة في فكر واقتصاد وإدارة عصر اللادولة" ط 1، مجموع النيل العربية للنشر، (ص ص 15-27 ) .

8. د. عبدالله عامر الهمالي،أسلوب البحث الاجتماعي وتقنياته، ط1، منشورات جامعة قاريونس، 1988،ص ص 26-28.

9. عبدالله عامر الهمالي، التحديث الاجتماعي: معالمه ونماذج من تطبيقاته، الدار الجماهيرية للنشر، 1986، ص 16 .

10. شعبان الطاهر الاسود، الثقافة والمجتمع والتغير الاجتماعي، مجلة دراسات، السنة الأولى، العدد الرابع، 1999، ص ص 13- 14 .

11. أنظر: فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ، ترجمة: حسين الشيخ، دار العلوم العربية، 1993 .

 

المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة

" ايسيسكو "

 

 6

 

 

 

الندوة الدولية حول:

" القيم الإسلامية في مناهج التربية والتعليم"

 

المملكة المغربية ـ تطوان

21 ـ 23 /11/2005م

" التربية على القيم العلمية في الإسلام..."

 

إعداد

الدكتور سليمان الخطيب

وزارة التربية ـ دمشق 2005

 

 

 

 

التربية على القيم العلمية في الإسلام

" مخطط البحث"

 

أولاً: مدخل: العلم والتفكير العلمي في الإسلام

  • العلم أداة رسالة الإنسان في الحياة.
  • العلم أداة معرفة الحقيقة ومسار الكون
  • العلم قاعدة لبناء الفكر
  • نماذج من التفكير العلمي لإدراك ظواهر الكون في الإسلام.

ثانياً: القيم العلمية في الإسلام بين الفاعلية والتفاعل

  • الترابط بين القيم العلمية والقيم المرجعية في الإسلام
  • مستجدات العصر وإشكالية تغيير القيم العلمية؛ أو إظهارها؛ أو تجددها.
  • سمات القيم العلمية في الإسلام
  • المنهجية: مترابطة بتتابعية متدرجة بين الفكر الإنساني وسلوكه ونظم الكون الذي نعيش فيه.
  • الشمولية: شمولية مزوع المعرفة التي ترتبط بمنشأ الحياة؛ واستمرارها في النظم الحية؛ والنظم الطبيعية؛ التي تؤثر في حياة البشرية في كل عصر.
  • التحفيزية: تنبئ عن حقائق مستقبلية فتحفز للبحث والاكتشاف وتنمي التفكير العلمي المستقبلي.

تفعيل القيم العلمية في الخطاب الديني.

ثالثاً: القيم العلمية في الإسلام: تنوع وتكامل

  • القيم العلمية والمبادئ والمعرفة: دلالات ونماذج
  • القيم العلمية في التوازن الحركي للكون.
  • القيم العلمية في التنسيق الحركي لظواهر الكون.
  • القيم العلمية في ترابط النظم الحية والنظم الطبيعية.
  • القيم العلمية في استمرارية البحث والاكتشاف (تعاقب القمم في البحث العلمي)
  • القيم العلمية في وحدة الخلق.
  • القيم العلمية في تكوين الإنسان.
  • القيم العلمية في بحث ظواهر الطبيعة.

رابعاً: إدماج القيم العلمية الإسلامية في المناهج التربوية.

  • طرائق: في تكوين القيم الإسلامية.
  • أساليب: في عرض وتعميم الحقائق العلمية في الإسلام.
  • مداخل: إدماج القيم العلمية الإسلامية في المناهج التربوية.

 

خاتمة: استنتاج ورؤية

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

أولاً: مدخل: العلم والتفكير العلمي في الإسلام

العلم منطلق رسالة الإنسان في الكون وأداتها:

  • يمثل العلم في الإسلام منطلق إدراك الكون الذي نعيش فيه؛ وفهم ظاهراته البشرية والطبيعية؛
  • وهو مرتكز العقل البشري في إدراك مسيرة هذا الكون منشأ وواقعاً؛ مستقبلاً ومصيراً.
  • إن بناء الكون بكل عناصره المادية والحية يرتكز إلى الأنساق النظمية المترابطة؛ بدءاً من الدقائق الذرية المادية وحتى المحيط الحيوي Biocphere والفضاء الكوني الذي يحيط به وفق النمط الآتي:

" الذي خلق سبع سموات طباقا ماترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور"

photo 001

  • لقد مكن هذا الترابط النظمي من وجود حقيقتين يستند إليهما العلم وتطبيقاته هما:

 

1ـ استنتاج النظريات والقوانين العلمية في مختلف فروع المعرفة وأنواعها على مستوى:

الذرة والنواة، والخلية الحية والنظم الحية الكبرى والنظم الطبيعية الأخرى في الكون ومكن من فهم كلية المعرفة ونوعية المعرفة وفروعها، وتراكمية المعرفة فهماً مبسطاً وواضحاً.

2ـ إدراك العلاقة القائمة بين كمّ المادة ومدى فاعليتها إيجاباً أو سلباً؛ وكذلك إمكانية قياس أثرها.

وكل شيء عنده بمقدار                             سورة

 

والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي؛ وأنبتنا فيها من كل شيء موزون....

                                         ( الحجر ـ 19)

  • لقد مكنت هذه الحقيقة العلمية من انطلاق العلماء والباحثين لاستخدام معطيات العلم في الحياة؛ ومن خلال تطبيقاته وتجاربه واستخدام نتائجه في مختلف مجالات البحث وميادين المعرفة؛ في تطبيق العلوم الطبية والصحية والزراعية والفيزيائية الحيوية والفلكية وغيرها... ؛ لأن أي تعديل في المقدار الكمي لأي عنصر في منظومته أو تغيير مكانه يمكن من إنتاج مركب أو منظومة جديدة؛ وهذا ما يولد معرفةً جديدةً وخبرةً جديدةً تتراكم في عقل العالم وفي الخبرة الإنسانية بشكل مضطرد؛ مما جعل العلم في الإسلام أداة للتوصل إلى الحقائق وإدراكها ووسيلة إعمار الكون وتقدم الحياة؛ ومن هنا جاءت منزلة العلماء العالية في الإسلام ليس لذاتهم فقط وإنما لصالح البشرية ومستقبل البشرية.

 

شهد الله أن لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط

                                             ( آل عمران ـ18)

         2ـ العلم مرتكز لتنمية العقل والتفكير العلمي:

  • لا تقتصر العلاقة بين العقل والعلم في الإسلام على كونها علاقة تأثير وتأثر؛.
  • فهي في بعدها الفلسفي علاقة أصل وتنمية.
  • فالعقل هو للدين أصل وللحياة عماد.
  • والعقل لا يذكر في القرآن الكريم إلا في أمكنة التفضيل والتنبيه للعمل.
  • وقد أحل القرآن العقل منزلاً سامياً وطالب الناس باستخدامه؛ والتحاكم إليه للوصول إلى اليقين والحقيقة.
  • لقد حرص الإسلام على تنمية العقل بالعلم والمعرفة وتربية التفكير العلمي في تحليل أسباب ظواهر الكون وفهمها؛ واستنتاج القوانين والأنظمة التي تشير وفقها؛ واستخدام التفكير العلمي في البحث والتجريب والتطبيق والتقويم.
  • ومن أهم خصائص العلم في الإسلام التي تسهم في تنمية العقل البشري ليؤدي الإنسان رسالته في الحياة وإعمار الكون وتقدمه؛ أنه شمولي المفهوم والدلالة؛ فهو لاينحصر في علوم الطبيعة واكتشافاتها؛ وإنما يشمل كل ما يريد العقل اكتشافه؛ أي أنه: علم إلهي مطلق وصف الله به ذاته؛ وعلم بشري ضمن ظواهر الطبيعة؛ وإمكانات الإنسان والتقانات التي يستخدمها وهذا ما يؤكده القرآن الكريم عندما جعل الله آدم خليفة في الأرض وعلمه السماء كلها.

".... وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبؤني بأسماء هؤلاء ... إن كنتم صادقين.. قالو سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم... البقرة (30ـ 32)

 

  • إن رؤية الإسلام لتنمية العقل البشري والتي وردت أسسها ونماذحها في القرآن الكريم تؤكد:
  • التعمق بالمعرفة ـ استخدام الملاحظة ـ التجريب والمقارنة ـ الاستنتاج والاستقراء...

وتتمثل غايات كل هذا؛ بتربية التفكير السليم بخلق الإنسان ونشوئه وخلق السموات والأرض للاستخدام الأفضل للعقل والعلم معاً.

 

  • يمكن التعبير عن منهجية الإسلام في التنمية العقلية والتفكير العلمي وفق الآتي:
  • عقيدة الإيمان تبنى على العقل السليم.
  • والعلم يمكن من تنمية العقل والتفكير العليم.
  • واستخدام العقل والتفكير العلمي يعزز العقيدة ويؤدي إلى توليد معارف وآفاق علمية جديد.

 

ثانياً: القيم العلمية في الإسلام بين الفاعلية والتفاعل:

1ـ الترابط بين القيم العلمية والقيم المرجعية في الإسلام:

  • التربية القيمية في الإسلام منهجية متكاملة؛ تتجسد بمجموعها في بناء شخصية الإنسان؛ عقيدةً وانتماءً وفكراً وممارسة؛.
  • والقيم المرجعية في الإسلام متعددة ومتنوعة لكنها منظومة مترابطة؛ وشاملة؛ تشمل القيم الروحية والأخلاقية والاجتماعية؛ والثقافية والاقتصادية والوطنية والإنسانية؛ وهي بمجموعتها ينبغي أن توجه حركة الإنسان لتطوير ذاته ووطنه وأمته؛ ورفاهية الإنسان وتقدمها؛ لكنها لا تستطيع أن تؤدي هذه الرسالة دون الاستناد إلى القيم العلمية التي تمكن من إدراك مسيرة الحياة والكون الذي نعيش فيه وتعزيز ثقة الإنسان بعقيدته ومواقفه وقدراته العقلية والفكرية ونمائها.

" لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ....."      "سورة التين"

  • فالعلم في الإسلام ليس هدفاً بحد ذاته إنما هو القاعدة الأساس ليرفع من شأن الإنسان من حيث هو إنسان ومن حيث هو خليفة الله في الأرض.

وهذا ما يشير إلى أسبقية العلم والتعلم لاستخدامه في استمرارية الكون ومستجدات العصور وهذا ما أكدته أول آية في القرآن الكريم عندما خاطب الله تعالى رسوله قائلاً:

" اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم "    

 

 

2ـ مستجدات العصر وإشكالية تغير القيم العلمية أو إظهارها أو تجددها:

  • يمتاز كل عصر بمستجدات علمية وتقانية جديدة تنعكس على التنمية الثقافية لدى الأفراد وعلى العلاقات الاجتماعية والاقتصادية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية فقد امتازت بدايات السبعينات في القرن العشرين بعلوم الفضاء والاكتشافات الفضائية؛ كما امتاز العقد الأخير من القرن نفسه بتطور علوم الالكترونيات والهندسة الوراثية وتطبيقاتها؛ أما بداية القرن الحادي والعشرين؛

فقد امتازت بثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات ومجتمع المعرفة والتوجه نحو اقتصاد المعرفة؛ هذه المستجدات أظهرت حاجات ملحة لبحث الإشكالية الآتية أمام المثقفين والمؤسسات العلمية والبحثية في الوطن العربي والعالم الإسلامي بشكل عام؛ والتي تتمركز حول التساؤلات الآتية:

 

  • 1.هل تتغير القيم والمبادئ العلمية الإسلامية مع مستجدات العصر؟
  • 2.هل تسبب هذه المستجدات إظهار قيم علمية إسلامية متجددة ؟
    • تزداد هذه الإشكالية حدةً في وقتنا الحالي بسبب ما يشهده العالم بأسره من تغيرات سياسية واجتماعية؛ وسيطرة القطب الواحد؛ ومحاولات طمس الهوية الوطنية والقومية؛ من خلال محاولات الدول الصناعية الكبرى لفرض العولمة الثقافية والاقتصادية؛ دون مراعاة التنوع الثقافي؛ ودون احترام القيم العربية والإسلامية الأصيلة؛ وهذا يبرز بكل جدارة؛ أهمية مبادرات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة في إقامة هذه الندوة الدولية حول القيم الإسلامية في مناهج التربية والتعليم؛ والمشاركات الفعالة في ندوات الحوارات الدولية حول الحضارات والثقافات والأديان وتقاربها.
    • وإسهاماً بتقديم البدائل التي ترتكز إلى العلم والمحاكمة المنطقية؛ بناءً على المعطيات السابقة؛ نقدم التوجهات الآتية:
    • إن المستجدات العلمية والتقانية التي يقدمها كل عصر جديد؛ تسهم في إظهار أبعاد جديدة للحقائق والقيم العلمية التي يبينها القرآن الكريم؛ دون إحداث فعل التغيير في جوهرها؛ فالقيم العلمية الإسلامية التي نجد مرتسماتها في القرآن الكريم تمثل مرتكزات أساسية لكل حقائق علمية فرعية تولدها العمليات الإجرائية في البحوث العلمية الجديدة أو التطبيقات التقانية كما هي الحال في المكتشفات الفضائية أو الطبية التي تتناول منشأ الإنسان وصحته ووظائفه الحياتية على سبيل المثال:

     

    • تقود هذه المحاكمة العلمية إلى أنه:

    ليس للزمن فعله في تغيير القيم والمبادئ العلمية التي وردت في القرآن الكريم وإنما له فعله في إظهار أبعاد جديدة لها وتجددها وكشف ساحات عمل جديدة لها.

     

    يتأكد ذلك في القرآن الكريم:

    " إنّا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"

     

    • لعلّ؛ كما هو مألوف؛ أن يكون عدم الرغبة أو عدم القدرة لدى معظم الباحثين على الخوض في هذا المجال واحداً من الأسباب التي أعاقت الدراسات التي ترتكز إلى القيم العلمية الإسلامية في المناهج والنظام التربوي بشكل عام؛ الأمر الذي يتطلب منا حالياً إلقاء الضوء العمل لزيادة فاعلية هذه القيم العلمية وبشكل أكثر جلاء ووضوح ليسهل على مصممي المناهج التربوية؛ ومعديها؛ والعاملين بشكل عام في مجال التربية والتعليم؛ تعزيز هذه القيم في المناهج التربوية واستخدامها أيضاً في اللقاءات والحوارات التي يشهدها المجتمع المعاصر حول دور الإسلام لتكوين وتنمية التفكير العلمي لدى أجيال الأمة العربية والإسلامية بشكل عام لتزداد ساحة التفاعل العالمي مع هذه القيم العلمية المرجعية.

     

    3ـ سمات القيم العلمية في الإسلام:

    تتسم القيم العلمية التي وردت في القرآن الكريم؛ بمنظومة من الخصائص التي تمكن من تنظيمها على شكل مجموعات مترابطة فيما بينها وهي محاولة جادة بدأنا بها ليسهل على مصممي المناهج التربوية إبراز هذه القيم في المناهج وطرائق التعليم والتعلّم وتحقيق ترابط وظيفي بتتابع منهجي بين فروعها وهي كالآتي:

    1. المنهجية: وردت القيم العلمية في القرآن الكريم وفق منهجية يظهر فيها الترابط والتتابعية وليست مفردات مجزأة، في مجالات الفكر الإنساني وسلوكه؛ ونظم الكون الذي نعيش فيه.

    مثال: نشوء الإنسان ومراحل تكوينه الجنيني:

    • بدء النشوء من تراب      الانتقال للمادة الحية.
    • استمرار عملية التزاوج والالقاح بدءاً من النطاف التي تحدد جنس المولود والانتقال إلى       العلقة       مضغة       التعشيش في الأرحام يستكمل النمو الجنيني وتشكل الأجهزة الداخلية خلال فترة زمنية محددة؛.
    • مرحلة الولادة والخروج إلى العالم الخارجي في وقت محدد واستمرار الحياة في الوسط الخارجي ولوقت محدد.
    • مرحلة الانتقال من الحياة الدنيا من خلال ظاهرة الوفاة لعالم آخر له سماته الخاصة.

    والجدير ذكره هنا أن هذا المشهد المنهجي في عرض هذه المنظومة من القيم العلمية في خلق الإنسان؛ بدءاً من المادة غير الحية؛ (التراب)؛ إلى المادة الحية ومراحل تدرجها وارتقائها قبل الولادة وبعدها؛ يتبعها مشهد آخر مباشرة مماثل لكن بالنسبة لظاهرة نشوء الحياة من التراب في عالم النبات. من خلال عمليات التفاعل الحيوي الفيزيائي؛ لإظهار حقائق وفق منهجية علمية متشابهة في عالم الإنسان وعالم النبات.

    " يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب؛ ثمّ من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة؛ لنبين لكم؛ ونقر في الأرحام مانشاء إلى أجل مسمى؛ ثم نخرجكم طفلاً ثمّ لتبلغوا أشدكم؛ ومنكم من يتوفىّ؛ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر؛ لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً "     

                                                    (سورة الحج ـ5)

                

    الاستنتاج:

    القيم العلمية في خلق الإنسان:

     

    • مشهد علمي منهجي مترابط.
    • مشهد علمي منهجي متدرج في تتابعية علمية
    • مشهد علمي منهجي تتكامل فيه عملية الانتقال من المادة غير الحية إلى المنظومة الحية ومن الحالة الحسية ( روح وجسد) إلى الحالة المجردة (روح فقط).
    • مشهد علمي منهجي يظهر قيماً علمية ومبادئ علمية في تكوين الإنسان؛ مستمرة وأساسية تشكل مرتكزات علميةً لفهم قضية تحولات الطاقة والمادة في نشوء الحياة والتكون الجيني وترك الإجراءات ومجالات البحث العلمي فيها للنشاط الإنساني.

    2ـ الشمولية:

    • تتسم القيم العلمية هنا في شموليتها فروع المعرفة جميعها بمجالاتها الأساسية والتي ترتبط بـ:
    • منشأ الحياة.
    • استمرار الحياة في النظم الحية.
    • تحولات الطاقة وحالات المادة في النظم الكونية الطبيعية.
    • العلاقات القائمة بين النظم الحية والنظم الطبيعية غير الحية الداخلية منها والخارجية.
    • استناداً إلى القيم منطلقات هذه القيم ومصادرها نجد ان بناة الفكر العلمي في الحضارة العربية والإسلامية يظهرون اكتشافاتهم العلمية وابداعاتهم في مختلف فروع المعرفة مثال:
    • جاء ابن حيان في الكيمياء.
    • الخوارزمي في قواعد الرياضيات والفلك.
    • الفرغاني في الفلك.
    • سند بن علي في الرصد الفلكي.
    • الفارابي في الفلسفة والهندسة.
    • ابن الجزار في الطب.
    • ابن سينا في الطب والفلسفة.
    • ابن الهيثم في الفيزياء والبصريات.
    • ابن البيطار في النبات والصيدلة.
    • ابن النفيس في الطب.
    • عمر الخيام في الرياضيات والفلك.

    3ـ التحفيزية: هذه القيم العلمية تحفز للبحث والاكتشاف وتنمي التفكير العلمي لاستمرار البحث العلمي المستقبلي؛ وهي قيم علمية تستنهض فكر وجهود العلماء المسلمين دائماً لاستمرار البحث والتنقيب والإبداع؛ في عالم شديد التغير يتسم بتسارع المعرفة؛ والمستجدات التقانية المتلاحقة؛ وتعقيد تقانات الاتصالات حتى أصبح الحديث حالياً عن قرية الكترونية كبيرة في إطار عولمة متعددة الأبعاد والأهداف.

    • إننا كأمة عربية وإسلامية أحوج ما نكون اليوم إلى فهم هذه القيم العلمية التحفيزية وإبرازها في مناهجنا الدراسية وإظهارها كمنهجية إستراتيجية في حركة تطوير النظم التربوية في العالم العربي والإسلامي؛ لينطلق العقل العربي والإسلامي إلى التفكير في مستقبل الأمة ومصيرها وعدم الاقتصار على القراءة الساكنة للتاريخ.
    • إن القيم العلمية المحفزة للبحث العلمي والاكتشاف المستمر لبناء المستقبل الأفضل؛ أكدها القرآن الكريم ويحث عليها في مواقع متعددة:

    " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم..."

    " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم.."

    كما أكد القرآن قيم الارتقاء المستمر في البحث العلمي وحقيقة الانتقال من مستوى بحث علمي راق؛ إلى مستوى آخر أكثر ارتقاءً في المستقبل.

    " وفوق كل ذي علم عليم"

    4ـ تفعيل القيم العلمية في الخطاب الديني:

    • يقتصر الخطاب الديني في معظم حالاته ومناسباته على تكريس قيم الإرشاد والوعظ والقيم الاجتماعية والأخلاقية.
    • لقد أدى هذا التوجه (وقد يكون غير مقصود)؛ إلى أضعاف وأحياناً خلو الخطاب الديني من القيم والمبادئ العلمية في الإسلام يعود ذلك للأسباب الآتية:
    1. 1.ضعف في كفايات إعداد من يولى إليهم الخطاب الديني حيث أن إدراك القيم العلمية يحتاج لتعمق في الجانبين العلمي والإرشادي.
    2. 2.عدم إدراك حقيقي لموقع العلم في الإسلام ودور القيم العلمية في بناء الشخصية المتوازنة المعاصرة؛ وتكوين العقيدة والفكر العلمي الذي يمكن الإنسان من تأدية رسالته في وطنه والكون الذي يعيش فيه.
    3. 3.تكريس هادف للفصل بين الدين وتكوين العقيدة والقيم العلمية والفكر العلمي في الدول العربية والإسلامية لتستمر حالات التناقص في بناء الشخصية العربية والإسلامية وهذه حالة تهدد وجود العرب والمسلمين معاً في المستقبل.
    • لا يمكن القول بأن القرآن الكريم كتاب مختص بالعلوم والنظريات والقوانين العلمية لشتى مزوع المعرفة؛ كما لا يمكن القول أيضاً بأنه كتاب يقتصر على الوعظ والإرشاد الديني بعيداً عن الرؤى والتوجهات العلمية والحقائق والقيم العلمية التي يرمز كل عصر جديد بمستجداتها وعطاءاتها؛
    • ولكن ما ينبغي إبرازه والتأكيد عليه أن منهج الإسلام في القرآن الكريم منهج شامل لبناء العقيدة الإسلامية ورسالة الإنسان في الكون وخلافته فيه لاعماره وتقدمه؛ على أسس نفسية واجتماعية وعلمية متكاملة؛ وأنه شامل للقيم والمبادئ العلمية الأساسية في مجالات المعرفة المتعددة والتي تخص ذات الإنسان ووسائل حياته وحفزه لاستيعاب مستجدات العلوم والتكنولوجيا في كل عصر؛ وإظهار مبادئ ومكشفات علمية بشكل مستمر مع الزمن تغني الخبرة الإنسانية في معرفة الكون ونظمه وتعزز الرؤية العلمية الصحيحة لموقع الإنسان ورسالته في التعلم المستمر ( من المهد إلى اللحد) للنهوض المستمر ببناء ذاته ووطنه وأمته حافزاً ومستقبلاً؛ لأن العلم والتعلم هما الوسيلتان الأساسيتان للوصول إلى العقيدة الصحيحة؛ والمستقبل الأفضل.

    في هذا السياق تتحقق منهجية التكامل بين (النقل والعقل) في القيم العلمية الإسلامية.


    ثالثاً: القيم العلمية في الإسلام: تنوع وتكامل

    القيم العلمية ـ المعارف والمبادئ:

     

    • أظهرت الفقرات السابقة العلاقة بين العقل السليم والعلم والتفكير العلمي؛ ودور العلم في تنمية العقل والتفكير العلمي في الإسلام.
    • القيم العلمية في الإسلام ترتكز إلى العقل والمعارف العلمية وتشكل بذاتها مرتكزات أساسية للقوانين والمبادئ والنظريات العلمية التي تكون في مستويات الإجراء والتطبيق؛ وهي تتقيد وتتجدد مع نمو الخبرة الإنسانية والعقل البشري الذي يستند أساساً إلى القيم العلمية المذكورة.
    • إنّ النشاط العلمي للإنسان في فكره وممارساته اكتشافاً وبحثاً وتطبيقاً من وجهه إسلامية ينبغي أن يستمر دون توقف لأن العوامل الخارجية المحيطة به والخبرة الذاتية في حالة حركة وتغير وتجدد دائمين؛ وأن القيم العلمية في الإسلامية تشكل الرؤى العلمية لجميع هذه التجديدات والاكتشافات ومثل اكتشاف إنساني جديد لعلاقات جديدة بين منظومات الكون الذي نعيش فيه يمكن من إظهار أبعاد جديدة للقيم العلمية في القرآن الكريم.
    • لهذا فإن القيم العلمية في الإسلام متعددة ومتنوعة؛ لكنها تتكامل في الرؤية العلمية للكون ورسالة الإنسان المستخلف فيه ويمكن ذكر بعض من القيم العلمية الأساسية التي أشار إليها القرآن الكريم بصيغ علمية يدركها العقل البشري حالياً بعض خصائصها وبعض أبعادها؛

    1ـ القيم العلمية في حركة الكون بكل مكوناته والتنسيق الحركي فيما بينها

    " لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ..."

                                                                (يس ـ40)

    " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله أتقن كل شيء  

                                                                (النمل ـ88)

    وما من شك أن التنسيق الحركي بين ظواهر الكون يتطلب إرادة ووعياً وعلماً وإتقاناً مطلقاً"

    2ـ القيم العلمية في وحدة الخلق من تراب ووحدة الهندسة في بناء النظم الحية.

    " والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجاً"

    " يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإن خلقناكم من تراب ..." سورة الحج.

    3ـ القيم العلمية في أهمية الماء الأساسي في خلق الأحياء.

    " وجعلنا من الماء كل شيء حي ..." (الأنبياء ـ 30).

    " والله خلق كل دابة من ماء " (النور ـ 45)

    وهذا يتطلب تقدير قيمة الماء في الحياة وفي جميع مناحي الحياة لأنها الوسط الأساسي للتفاعلات الفيزيولوجية الحيوية لدى جميع الكائنات الحية.

    4ـ القيم العلمية في تكوين الإنسان وتعاقب مراحل التكوين وتدرجها وترابطها.

    " الذي أحسن كل شيء خلقه؛ وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من ماء مهين؛ ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ماتشكرون"

                                                         (السجدة 7ـ 9)

    5ـ القيم العلمية: في التوازن البيئي وترابط النظم البيئية الفرعية فيه.

    " الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن" (الطلاق ـ 12)

    " والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون...."

                                                                (الحجرـ 19)

    6ـ القيم العلمية في التحفيز لاستمرارية البحث والاكتشاف؛ ( تعاقب القمم في البحث العلمي)

    وحث الإنسان على ارتياد آفاق جديدة في الكشف والتنقيب؛ لعلمه بأن الكون في جميع مكوناته ومسيرته يتطلب استمرارية البحث عن علاقات وقوانين جديدة تسهم في استمرار البحث عن علاقات وقوانين جديدة تسهم في استمرار إعماره؛ وأن ما يصل إليه البحث العلمي من اكتشاف جديد ينبغي أن يشكل قاعدة للانطلاق إلى قمة جديدة في البحث والاكتشاف.

    " وفوق كل ذي علم عليم"                    " وقل رب زدني علماً "

     

    رابعاً: إدماج القيم العلمية الإسلامية في المناهج التربوية:

    1ـ طرائق وأساليب في تكوين القيم الإسلامية:

    • اعتمد الإسلام طرائق وأساليب متعددة في تكوين القيم العلمية وتنمية التفكير العلمي؛ بهدف تنمية العقل البشري والمحاكمة المنطقية؛ والوصول إلى اكتشاف الحقائق وتكوين العقيدة السليمة على أساس المعرفة العلمية بكل دقة ويقين.
    • فمن الطرائق التي برزت في القرآن الكريم:
    • طريقة الحوار المبنية على العلم والمحاكمة للتوصل إلى تدعيم الرأي والحقيقة فقد حاور الله الملائكة وحاور الرسل ( مثال: ابراهيم وموسى عليهما السلام ) وحاور العباد وأمر الرسول الكريم بالحوار بالحكمة والموعظة الحسنة وليس الجدال العقيم.
    • طريقة الملاحظة الحسية: التي دعا رسله وعباده إليها ليصلوا من خلالها إلى الحقيقة العلمية واليقين وتكوين القيم العلمية الراسخة.

    لعل أكثر الأساليب بروزاً في القرآن الكريم:

    منهج الأسلوب الاستقرائي:

    • الذي يبدأ من الملاحظة الحسية المباشرة؛ ومن ثم العمليات الترابطية التي تحث العقل على التفكير ومن ثم الاستنتاج والاستقراء والتقييم؛ وتأكيد الحقيقة وتربية الفكر للتوصل إلى فهم العلاقات المجردة.
    • هذا الأسلوب كان أكثر إبرازاً في تكوين العقيدة في بداية الإسلام للوصول إلى الحقيقة عن طريق العلم والمعرفة ومشاركة المتعلم نفسه.

    مثال: في الآية الكريمة حول المشهد البيئي في ترابط النظم والتوصل إلى تأكيد الإحياء بعد الوفاة.

    " وترى الأرض هامدةً "

    فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق؛ وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير؛ وأن الساعة آتية لا ريب فيها؛ وأن الله يبعث من في القبور"

    2ـ مداخل إدماج القيم العلمية الإسلامية في المناهج التربوية:

    • يرتبط المدخل المناسب لادماج العناصر المعرفية والتدريبات والأنشطة المرتبطة بهذه القيم بنوعية وطبيعة القيم نفسها.
    • ولما كانت هذه القيم العلمية تتسم بشمولية جميع فروع المعرفة الأساسية والإنسانية والصحية؛ والبيئية والسكانية والفلكية والرياضيات... ؛ ولا يمكن الفصل فيما بينها؛.
    • وأن اكتساب القيم العلمية يتم عن طريق استيعاب المعرفة العلمية التي ترتكز إليها والتدريب على ممارستها فكرياً وعملياً؛.
    • كان من الملائم استخدام أسلوب الدمج متعدد الفروع؛ الذي يحقق تكامل المعارف العلمية بالقيم العلمية مع المعارف الأخرى التخصصية للمادة الدراسية " الكيمياء ـ الرياضيات ـ علم الأحياء ـ الفيزياء ـ اللغة القومية ـ التاريخ ـ الجغرافية ـ التربية الوطنية ـ الفلسفة ـ التربية الدينية...."

    photo 002

    الآلية المقترحة لإدماج القيم العلمية في المناهج التربوية:

    أ ـ المرحلة الأولى ويشمل:

    1. تحديد قائمة القيم العلمية في الإسلام التي يهدف النظام التربوي إلى إكسابها الناشئة خلال مراحل التعليم الأساسي والثانوي.

    1. 2.إعداد مصفوفات المفاهيم العلمية التي تشكل القاعدة العلمية لتكوين القيم العلمية المذكورة.

    3. تنظيم مصفوفات المفاهيم المذكورة حسب المواد الدراسية ذات العلاقة أفقياً وحسب تسلسل مستويات منهاج المادة لصفوف المرحلة عمودياً.

    4. تحديد الصلات بين هذه المفاهيم على المستويين الأفقي والعامودي في إطار شبكة المفاهيم العلمية للقيم العلمية وحذف التناقض والتكرر ومراعاة التتابع.

    المادة العلمية الواحدة في كل صف وفي الصفوف.

    المرحلة الثانية وتشمل:

    1. 1.تحليل مضمون الكتب المدرسية لتحديد المفاهيم العلمية المرتبطة بتكوين القيم العلمية الإسلامية.
    2. 2.تحديد المفاهيم التي يجب إضافتها أو تعزيزها لكل مادة منظمة حسب صفوف تدريسها وتنظيمها على شكل مصفوفات تتابعية.
    3. 3.عقد ورشة عمل لمصممي المناهج والموجهين والمختصين المسؤولين عن إعداد الكتب المدرسية لشرح هذه الخطوات والبدء بالتنفيذ بشكل متدرج بدءاً من صفوف الحلقة الأولى.

    الخاتمة استنتاج ورؤية:

    • إن بحث القيم العلمية الإسلامية وإدماجها في المناهج التربوية مبادرة تقدمها المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم على غاية من الأهمية وبخاصة في هذه الظروف التاريخية التي تعاني فيها الأمة العربية والإسلامية ما تعانيه من محاولات طمس الهوية والثقافة؛ وتثبيطهم ونشاط الباحثين العرب والمسلمين وإخماد شعلة التفكير العلمي لدى أجيال المستقبل؛.
    • من هنا ندعو المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم أن تستكمل هذه الخطوة العلمية المتقدمة بإعداد دليل علمي تربوي على أساس هذه الدراسة وما تتوصل إليه الندوة لتعميمها على الدول العربية والإسلامية؛ للإفادة منها في خططها في تطوير مناهجها التربوية وتقانات المتعلم وتنمية الثقافة العلمية الإسلامية لدى أجيال أمتنا لبناء المستقبل الأفضل والإسهام الأكثر فاعلية في مسيرة حضارة أمتنا والإنسانية جمعاء.

     

    مسؤولية المتعلم في التربية القرآنية و التجديد التربوي

     

    الأستاذ عبد السلام الأحمر

     

    أولا :مسؤولية المتعلم نقطة الإرتكاز في التربية الحديثة

    لايملك الباحث في التربية القرآنية خاصة والإسلامية عامة، إلا أن يقف على قدر القيمة العظيمة التي يمكن أن تمنحها للتربية الإنسانية على امتداد الأزمنة واختلاف الأقطار. ولا يعدو الحقيقة من يرى أن الكثير من النظريات التربوية الوافدة إلى الساحة الإسلامية من العالم الغربي لم تأت بجديد عما هوكامن من أصولها وروحها في خطاب الشرع قرآنا وسنة، والمتوجه إلى الإنسان عبر وجوده المتغير.

    ولعل الجديد الذي يلاحظ فيها هو تأطيرها بخلفية فكرية وفلسفية وضعية، تجعل الاهتمام بحرية الإنسان ومسؤوليته الغاية الأسمى في تنشئته وتكوينه وإعداده لخوض غمارالحياة . وهذا يفضي بها إلى التقاطع مع مقاصد التربية الإسلامية في بعض مستوياتها.

    ومن منطلق مركزية مسؤولية المتعلم في التربية الغربية المهيمنة على التربية الحديثة، تحاول هذه المداخلة إبراز موقع هذه المسؤولية في التربية القرآنية ، ليكون مساهمة في ترشيد مشاريع التجديد التربوي من منظور قرآني .

          ترتبط التربية لدى الأمم والحضارات بمعتقداتها وفلسفتها في الحياة، حيث توجه لتثبيت مقولاتها ومنطلقاتها في نفوس الناشئة وترسيخ اختياراتها وأخلاقها في وجدانهم وسلوكهم.

           فالتربية الحديثة تبلورت في مناخ تقدير العقل البشري عامة والعقل الغربي خاصة، بعد الانتهاء إلى القطع مع ظلم الكهنوت المسيحي وظلماته الكالحة، وإطلاق حرية الفكر ليصبح حكما مطاعا في كل شؤون الإنسان وقضاياه كلها بعيدا عن الوصاية الكنسية الخانقة .

    وجاءت نتائج هذه الخطوة الحاسمة في تاريخ الحضارة الأوربية والتي زكاها التطور التكنولوجي الباهر، لتشكل منعطفا كبيرا قلب كل التصورات السالفة ، وأعاد صياغة مناهج البحث والتفكير في جميع المجالات وعلى رأسها التربية النظامية ، التي عول عليها في دعم القناعات الجديدة وبناء أجيال متشبعة بافكار ومبادئ العقلانية والعلمانية واللبرالية ومنظومة حقوق الإنسان.

         ولقد اهتدى الباحثون والمنظرون في الغرب إلى محورية العنصر البشري في صناعة الحياة وقيادة التنمية، فانطلقوا يعلون من إمكاناته، ويشيدون بقدراته وطاقاته، ويصلون ذلك كله بضرورة تعزيز حريته ومسؤولياته داخل جدران المدرسة، التي غدت مجالا لممارستهما والتنشئة على حبهما، وإيلائهما كل التقدير والاعتبار.

         وهكذا تغير موقع المتعلم الذي ظل مجرد متلق سلبي يلقي إليه المعلم بالمعارف الجاهزة، وينحصر دوره في استيعابها دون نقاش أواعتراض، والقيام بحفظها عن ظهر قلب واسترجاعها عند الامتحان.

         فأصبح المتعلم محور العملية التعليمية التعلمية ، يتحمل مسؤوليته كاملة في بناء المعرفة عبر مراحل متدرجة، يتاح له خلالها توظيف مكتسباته السابقة لاكتشاف المعارف والمعلومات الجديدة، ومناقشة كل ما يعرض عليه في شتى أصناف المعرفة النظرية أوالتجريبية، حيث يمارس خطوات التجربة في المختبر عبر مسار طويل من المحاولات التي يسترشد فيها بالأخطاء التي يقع فيها على تغيير مجرى التجربة حتى ينتهي إلى الصواب.

        وهنا يكون دور المعلم هو توجيه المتعلم لأحسن طريقة يقتحم بها مستويات التعلم الذاتي، ويستخرج منه أكبر قدر من المعلومات ، ويقوده على درب إبداع المعرفة وإنتاج الأفكار وتشكيل المواقف والقناعات، وصناعة الرأي الشخصي وبناء الذات بكل مكوناتها في نهاية المطاف.

         فكان من ثمرة هذا النهج إعطاء تكوين العقلية المنهجية في تربية النشء الأولوية على عقلية الضبط والاسترجاع، الأمر الذي تيسر به تزويد التلميذ بالقدرات العقلية الأساسية مثل الفهم والاستنتاج والتحليل والتركيب والتطبيق والتقييم وغيرها.

           وهكذا أضحت مرحلة التعلم مجالا مواتيا لممارسة المسؤولية والتشبع بها، قبل تحملها في الميدان العملي داخل قطاعات المجتمع المختلفة، مما ساهم فعليا في جعل التربية في خدمة التنمية الشاملة والرقي الحضاري.

    ثانيا:القرآن مجال المسؤولية الإنسانية وأداة للتربية عليها.

    1) القرآن الكريم أول مجال للمسؤولية الإنسانية

           القرآن الكريم باعتباره رسالة الله إلى الناس، فقد اشتمل على بيان مهمة الإنسان ومسؤوليته في الأرض، وتعريفه بمنظومة الحقائق المتصلة بهذه المسؤولية حتي يكون على بينة من أمره، و يمكن تلخيص تلك الحقائق فيما يلي:

    - عرفه بالله الخالق المدبر الحكيم من خلال صفاته وأسمائه وبعض كمالاته وما يجب له من التعظيم والإجلال والتسليم والإيمان والعبودية التامة (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى)[1] .

    - وعرفه بحقيقة الإنسان باعتباره كائنا حرا مسؤولا مستخلفا في الأرض، ومبتلى فوق ظهرها بالإيمان والكفر، فإن شاء آمن بالله وإن شاء كفر. (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)[2] .

    - وعرفه بحقيقة الحياة الدنيا وأنها مجال للاختبار والامتحان، هل يتبع نهج الإيمان المتضمن في شرع الله، أم يتخذ له شرعا خاصا به يبدعه بعقله وتفاعلاته مع واقع الحياة ؟ (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ )[3] .

    - وعرفه حقائق الغيب المتصلة بمسؤوليته الاستخلافية، مثل الآخرة وما فيها من حساب، وما يعقبه من جزاء في نعيم الجنان أو عقاب بعذاب النيران.

       ومثل الإيمان بالملائكة وإبليس وعالم الجن والأنبياء السابقين ودعوتهم لأقوامهم والكتب المنزلة عليهم. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا )[4] .

         فهذه الحقائق القرآنية التي يمتزج فيها الغيب بالشهادة، تشكل حقلا خصبا لابتلاء الإنسان، ووضعه أمام الاختباربين اختيارموقف الشك والجحود ، واختيار الإيمان والتصديق، فالإيمان بربانية مصدر القرآن وصدق رسول الله الموحى إليه به، هومفتاح الاستجابة لتحمل المسؤولية الإنسانية، باختيارمنهج الشريعة الخاتمة لمن عاصر محمد رسول الله، ولمن جاء بعده من الناس إلى يوم القيامة.

         ومن ثم يمكن تمييزنوعين من الابتلاء بالقرآن نفسه :

    1-1           على مستوى الشكل

       أنزل الله القرآن الكريم بلسان عربي يشبه في نوعه كلام العرب، بحيث يستطيع من يريد أن يرى فيه صورة محبوكة من النثر البشري الرفيع المستوى، والذي هونتاج نبوغ منقطع النظير، إلى غير ذلك من التفسيرات التي يتوسع الخيال البشري في انتحالها لتسويغ رفض الطبيعة الربانية للقرآن.

         كما يمكن في هذاالصدد إدراج طريقة كتابة بعض الكلمات بشكل مخالف لما كتبت به في مواضع أخرى من متن القرآن، مثال ذلك: كلمة بسطة التي كتبت بالسين في قوله تعالى متحدثا عن طالوت (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[5]    ونفس الكلمة وفي سياق مماثل كتبت بالصاد في رواية الإمام ورش (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[6] ، ومثل هذا في القرآن كثير.

       ونجد أيضا أن بعض التعابير القرآنية خرجت عن المعتاد في تناسق الكلام من حيث صيغ الجمع والإفراد والتذكير والتأنيث مثال ذلك: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ )[7] بدل ذهب الله بنوره وتركه في ظلمات لايبصر.وقوله تعالى (يعرف المجرمون بسيماهم فيوخذ بالنواصي والأقدام)[8] بدل فيؤخذون بالنواصي والأقدام.

       ويدخل في هذا المستوى الكلي ما يوجد من اختلاف في الألفاض القرآنية بحسب الروايات والقراءات ومنه لفظة "ننشزها" في قوله تعالى (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا)[9] حسب رواية حفص عن عاصم أما حسب رواية ورش عن نافع فحلت محلها لفظة "ننشرها"

         فقد يخلص من اختار الجحود والتنطع من ملاحظة هذه التباينات إلى ادعاء التناقض في القرآن والاستناد إليها لكفره به والصد عنه. ويغيب عن كثير من الناس كون القرآن شكلا ومضمونا يعد أول مجال لممارسة مسؤولية الإيمان به بعد حمل ما استشكل من أمره على بيناته المتوافرة.

    1-2           على مستوى المضمون.

    يعتبر المضمون القرآني أنسب مجال لحمل القارئ على ممارسة مسؤولية التعلم في مختلف أبعاده ومستوياته والتي نذكرمنها ما يلي :

    1)- على مستوى استشعار الرغبة في الاهتداء بهديه والتسليم بما يحتوي عليه من الأدلة العقلية والبراهين الساطعة على كونه كلام رب العالمين ورسالته الخاتمة للناس أجمعين، فهذا الموقف المبدئي هو ما يجعل النفس تهفو لسماع بياناته وتنفتح لتلقي حقائقه وإدراك أنها الحق المبين .

       وأما إذا التزمت الرفض والصدود عن خطابه، ومالت إلى تكذيبه ومعارضته، فإنها آنئذ لن يبدو لها من حقائقه شيء، بل تنقلب بسبب هذا العناد في تصورها إلى شبه وأباطيل تقضي بإنكار ربانيته، وتدفع بها إلى افتراء تأويلات جامحة عن الصواب ممعنة في العماية والجحود . (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ)[10] فنفس المضمون القرآني تتخذ النفوس تجاهه مواقف متعارضة بحسب ما لديها من استعداد للقبول أو الرفض بحيث يسايرأحوال الذوات، ويعطي كل واحدة ما يناسبها وما تتطلع إليه أثناء تلقيه، من زيادة الإيمان واليقين أومزيدا من التكذيب والكفر.

       فكل أنواع الخطاب القرآني تمتلك هذه الخاصية التي تجعله يتقلب وفق طبيعة القلوب المتلقية دون أن يسعى إلى إعطاء النفس خلاف ما تطلبه منه وتحرص عليه وتبحث في طيات معانيه عنه.( إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ)[11].

    2)- على مستوى الفهم بعد الإيمان به.

    عندما يتعامل الإنسان مع القرآن من موقع المتعلم الراغب في علم القرآن وتوجيهاته وحقائقه، فإن القرآن يفتح له من ذخائر كنوزه ونفائس معارفه على حسب حاجته، ووفق ما لديه من القدرة على الفهم والصدق في التعلم والاستعداد للعمل والتنفيذ والاهتداء بهديه.( قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[12].

       وإذا حصل الإيمان به ورامت النفس إخضاع فهم آياته لهواها ولم تسلم قيادها له بصفة كاملة فإنها تعطى من تعليمه وإرشاده بحسب أوضاعهاوما تنتظره منه .( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)[13].

    3)- على مستوى التفاعل الوجداني وخشوع القلب.

       ليس كل المستمعين للقرآن والمتدبرين لآياته يتأثرون به بنفس الكيفية، وإنمايتفاوت تأثرهم به كما وكيفا تبعا لمايستقبلون به خطابه من التقديس والإكباروالتصديق بأنه النبأ العظيم والحق المبين، فقابلية التأثير في القرآن لاتفعل فعلها في النفوس إلا بقدرما لدى النفس من قابلية التفاعل معا والانفعال بها، (وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا)[14].

         فمن المعلوم من سير الصالحين قديما وحديثا أنهم يتلون كتاب الله بقلوب خاشعة وعيون دامعة، وقد يصاب أحدهم بإغماءة تستمر ساعات طويلة أثناء تلاوة القرآن أو سماعه. وأناس آخرون لايستطيعون بلوغ هذا الحال رغم رغبتهم في أن يصيروا إليه .

    2)) - الخطاب القرآني أداة التربية على المسؤولية.

    1. 1) الحضور الثابت لحرية الإنسان ومسؤوليته على امتداد الخطاب القرآني.

    يلاحظ الباحث المدقق في أسلوب القرآن استحضار المسؤولية الإنسانية في كل خطابه، ونسوق لذلك المثلة التالية:

    1-1 تذكيره الصريح أحيانا للمخاطب بأنه حر مسؤول عما يقرره بشأن كلام القرآن. ومنه قوله تعالى:

         ( وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا) (الإسراء 109) . وقوله تعالى : (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ)[15]

                2-1 سوق بعض حقائقه على شكل تساؤلات .

           وذلك لتشغيل الفكر بكامل الحرية بعيدا عن ضغط الإلزام والتقرير الذي لا يحتمل إلا الخضوع والتسليم دون فهم ودون اقتناع. (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)[16].

         فالقرآن يعلم المتلقي كيف يحتاط من الاندفاع في الحكم على مضمونه ويعينه على تلمس الدليل الصحيح بطرح عدة أسئلة وترك حرية الإجابة عنها له وقد يعطي جوابا عنها عاما يستفيد من المومن ويكون هو أيضا استفزازا لحرية المعترض ليمارس اعتراضه إن أبى إلا التولي والجحود ليطلعه على حقيقه الأمر يقبلها أو يرفضها في نهاية هذا التعلم.

    3-1   إيراد مواقف المعترضين وتفنيد حججهم.

               والقصد من هذا النهج ليتعرف عليها المتلقي فإن كان رأيه مماشيا لها دعم بها موقفه الرافض وإن كان يريد معرفة الحق وأخلص في طلبه فلا شك أنه سيكتشف ما فيها من تنكب للصواب واختلال في الحكم والإدراك وينطلق من تعقيب القرآن عليها لإبصار الحق والتبث به ، ومن ثم يقوى إيمانه بالقرآن ويزداد تصديقه بربانيته. (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ)[17] . وقوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) [18]فرد القرآن على الجاحدين والمبطلين يتسم بالهدوء والإيجاز والبعد عن الإنكاربلا دليل أو التوبيخ إلابالحجة الواضحة.

    4-1 عتاب الرسول والمومنين عند الوقوع في الخطإ .  

           يوظف القرآن الخطأ أيا كان مصدره ليدل المتلقي له بطريقة مباشَرة في فترة النزول أو غير مباشَرة بعد انقطاع الوحي ، على المسلك القويم وتمام الصواب . فالله تبارك وتعالى يعطي الرسول (ص) وصحابته (ض) فرصة العمل والاجتهاد وفق ما يبدو لهم أنه الأنسب والأصلح ثم إذا وقعوا في خطإ ما آنئذ يتدخل ببيان الخلل وتصحيحه مع تغليظ العتاب أحيانا وتلطيفه أحيانا أخرى . (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا)[19] .(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ)[20].

    2)-اعتماد الحوار والإقناع

           ثمة اعتماد واسع للحوار في القرآن حول جميع القضايا الإيمانية التي يطرحها على المخاطبين ليشعرهم بأنهم أحرار مختارون وأن مطلوبه منهم أن يقتنعوا بسلوك نهج الإيمان عن وعي وعلم .

           وهكذا نجد الله تعالى يحاور ملائكته وإبليس والأنبياء والمومنين والكافرين على السواء دون أي تفريق،

    فمن محاورته للملائكة : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ)[21].

    ومن محاورته لإبليس : (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ)[22]

           ومما يمكن ملاحظته على الحوار القرآني أمور منها :

    1-  2. أن المحاور لله عزوجل سواء كان ملائكة أطهار أو إبليس الرجيم يتكلم بحرية كاملة ويعبر عن موقفه بصراحة متناهية وهو ما يؤكد حرية المحاور ومسؤوليته عما يبديه من آراء ومايعبر عنه من مواقف.

    2-    2. انتقال الحوار من مجرد الكلام إلى مجال العمل حيث تتضح به الحقائق وينكشف ضعف مستندات الطرف الآخر.

    3-    2 .أن الله تعالى يقبل محاورة خلقه ويسترسل في الحوار رغم مايحمله من اختلال في الأدب معه جل علاه.

    1. 3)استعمال الأسلوب غير المباشر عبر القصص وضرب الأمثال.

    يوظف القرآن بكثرة القصص والأمثال، ليوجه خلالها خطابا غير مباشر للمتلقي مانحا إياه الفرصة ليستخرج منه العبر والفوائد بعيدا عن ضغط الخطاب المباشر الذي قد يشعرالسامع إزاءه

    بافتقاد بعضا من حريته.

    3-1 القصص.

         فالقصص القرآني يعرض غالبا أمام الإنسان وقائع حقيقية مرت في التاريخ الغابر ويكون سبب سردها مناسبتها من زاوية معينة لحال المخاطب أو اشتمالها على حقائق ثابتة لا تبليها السنون والأعوام

         ويغلب على هذه القصص ما كان من أمردعوة الأنبياء السابقين لأقوامهم واعتراضاتهم عليها وإمعانهم في مواجهتها دون هوادة. فالقرآن ينقل الوقائع والأحداث كما هي وإن كانت حالات الاستجابة للأنبياء محدودة لاتكرس إلا رفض الدين الحق وإبراز الحجم الكبير لمن يعادونه على مر الأزمان واختلاف المكان، والقرآن حين يعرض ذلك يبين عواقب الجحود وما آل إليه من ضلال وطغيان ومن نقمة إلهية وسوء مصير في الدنيا قبل الآخرة لتشكل عبرة بالغة لمن يطالعها ونسوق من هذا الصنف قصة إبراهيم مع أبيه وقومه : (وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ)[23].

    3-2           الأمثال .

       يختلف المثل عن القصة القرآنية بكونه لايستند إلى حدث واقعي وإنما هوتمثيل لموقف في صورة تنآى به عن الحالة الفكرية وتقترب به من الواقع لمزيد إيضاح وتشخيص يجعل وقع تلك الصورة أقوى في النفس وأدعى للتأمل والاعتبار.

         فالمثل يحمل في مضمونه خطابا غير مباشر يضع النفس في وضع أكثر استقلالية إلى حد ما عن تأثير فحوى الكلام الأصلي ومراميه ويمكن النفس من مواجهة ظلاله وتطبيقاته الممتدة في الواقع بحرية أكثر ومسؤولية أكبر.

       ونكتفي من نماذج الأمثال بواحد فقط : ( يأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)[24] .

    ثالثا :خصوصيات الخطاب القرآني وعلاقتها بمسؤولية المتعلم.

    1- اتساع المدى المعرفي للنص بحسب استعداد المتلقي وحاجاته

         لما كان القرآن خطاب الله لكافة الناس من أمة محمد (ص) فإن الله تعالى زوده بالقدرة على التأثير في مختلف النفوس وإن تعددت مداركها وتفاوتت طبائعها وتجددت حاجاتها ، ومؤدى هذا أن يفهم المتلقي من القرآن ما يناسب مبلغه من العلم وما يلائم أوضاعه الاجتماعية والثقافية والحضارية، قال ابن مسعود: (هذا القرآن مأدبة الله فمن استطاع أن يتعلم منه شيئا فليفعل)[25] . فالعالم يتعلم منه غير ما يتعلمه من هو دونه، فمعرفة حكم فقهي يرجع فيه إلى العالم باللسان العربي والتفسير والسنة المبينة للقرآن والفقه وأصوله وأحوال الواقع المعيش وملابساته، قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)[26]

    فغير العالم بالقرآن والشرع الإسلامي يفوته إبصار كثير من حقائقه وأحكامه فلاغنى له عن الاستعانة بفهم العلماء الذين لهم إطلاع أوسع ونظر أعمق، فعن مسروق قال: جاءت امرأة إلى ابن مسعود فقالت: بلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة، أشيء وجدته في كتاب الله أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: بلى، شيء وجدته في كتاب الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: والله لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف فما وجدت فيه الذي تقول!. قال: فما وجدت فيه: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) ؟ قالت: بلى. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن الواصلة والواشمة والنامصة)[27].

    ويخضع فهم كلام الله إلى إرادة التعلم ويتماشى معها في الاتجاه الذي تختاره إيمانا أوكفرا بحثا عن العزيمة أوميلا إلى الرخصة . عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " القرآن   شافع مشفع وماحل[28] مصدق من جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار"[29] .

    فالقرآن باعتباره كلام الله المبسوط أمام نظر البشر لاختبار قلوبهم وما تنطوي عليه من الرغبة في بلوغ الحق والانصياع لمقتضياته أو اختيار الزيغ عن هدي الله واتباع أهواء النفس، يختلف تعامل الناس معه عن تعاملهم مع أي كتاب آخر حيث إن الله تعالى يزيد الصادقين في ابتغاء هديه هداية ويشرح صدورهم لمكنوزاته ويطمس على قلوب المتهاونين في تعلم بيناته والجاحدين لحقائقه ورشده (سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ )[30]  

    وقد كان نزوله أول الأمرمواكبا لتطور الدعوة الإسلامية وظل تفاعله مع أحوال المسلمين في أعلى مستوياته، يجادل المشركين ويفند أباطيلهم ويوجه الرسول والمؤمنين إلى ما يلزم القيام به عند كل نازلة وبين يدي كل خطوة فيثني عليهم إن أحسنوا ويسددهم إن أخطأوا فكان نزوله في هذه المرحلة في أعلى درجات التجاوب مع حاجات المتلقين وأوضاعهم.

         وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن أسلوب القرآن المكي يختلف عن الأسلوب المدني حيث تكون الآيات النازلة في مكة قصيرة وتتناول قضايا العقيدة والرد على المشركين في حين تأتي الآيات المدنية طويلة نسبيا متناولة لتشريعات المعاملات والسلوك ومجادلة المنافقين وأهل الكتاب.

         فكثير من آيات القرآن وفقراته تعكس ذلك التفاعل الفريد بين توجيه الله وفعل البشر ومواقفهم المتراوحة بين الإيمان والكفر والتسليم والعناد ويصبح كل ذلك كلاما مقدسا يتعبد بتلاوته آناء الليل وأطراف النهار ، ويتربى عليه المومنون بالله السائرون على صراطه المستقيم إلى انتهاء الدنيا.

         ومن يتلقى القرآن بعد عهد الرسالة وإن فاته أن يعيش أجواء التنزل فإن الأسلوب التصويري الناظم لآي القرآن كفيل بأن يجعل النفس تتفاعل معه وكأنه يتنزل عليها لحظة التلقي بتدبر وخشوع قد يبلغ بالإنسان مستوى من الاندماج القلبي مع دلالات النص وإيحاءاته وظلاله وكأنه في عمق الأحداث المذكورة ، فيتأثربها على درجات من الإدراك والفهم وزيادة الإيمان والرهبة والرغبة والسكينة والخشية والبكاء.

         وقد يقرأ المرء آية في ظرف مخصوص بحالة نفسية معينة فيفهم منها ما يناسبه في تلك اللحظة لكنه إذا عاود القراءة في لحظة أخرى بنفسية مغايرة تغير فهمه وانكشف له معنى جديدا يلائم حاله الراهنة ، فعن علي بن أبي طالب (ض) قال : "أما إني قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ألا إنها ستكون فتنة فقلت ما المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو   حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم هو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا يشبع منه العلماء ولا أصحهما على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم)"[31] .

         فعندما يلجأ الإنسان إلى أحضان القرآن تحت ضغط أي قضية مما يشغل باله ويجعله في حيرة من أمره فإنه سوف يجد فيه الحل الناجع لمشكله والجواب الشافي لتساؤله.

    وكمثال على أن قراءة المرء للقرآن قد لاتجعله يقف عند كل مضامينه بالتعمق اللازم نظرا لكثرة ازدحام المعاني المتداعية من آياته، لكنه عندما يركز على قضية محددة فإنه ينتهي إلى بغيته، ويصل إلى مطلوبه. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ، فَقَالَ: " إنّ رِجَالًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَزْعُمُونَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ تُوُفّيَ وَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا مَاتَ وَلَكِنّهُ ذَهَبَ إلَى رَبّهِ كَمَا ذَهَبَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ ، فَقَدْ غَابَ عَنْ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ قِيلَ قَدْ مَاتَ وَوَاللّهِ لَيَرْجَعَنّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَمَا رَجَعَ مُوسَى ، فَلَيَقْطَعَنّ أَيْدِي رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ زَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَاتَ"[32]   فما أن ذكره أبو بكر بقوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)[33] حتى تراجع إلى الوراء ساقطا على الأرض من الدهشة واستغراب كونه لم يتذكر أنه قرأ هذه الآية من قبل.

         ومن جهة أخرى فإن العبارة القرآنية حمالة أوجه من المعاني كثيرة كما ورد عن ابن عباس (ض) "القرآن ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه"[34]   فالمتعلم من القرآن يتحمل مسؤولية ما تعلمه عندما لايحمل القرآن على أحسن وجوهه فيستنتج منه ما يريد دون التقيد باختيار الأنسب والأصوب من دلالاته.

    وللفظ القرآني زجالة في المعنى تفتحه أمام التأمل العميق والتأويل الدقيق، وفي هذا الصدد نسوق نموذجا من كلام سيد قطب حيث يقول (ولفظة « ليبطئن » مختارة هنا بكل ما فيها من ثقل وتعثر؛ وإن اللسان ليتعثر في حروفها وجرسها ، حتى يأتي على آخرها ، وهو يشدها شداً؛ وإنها لتصور الحركة النفسية المصاحبة لها تصويراً كاملاً بهذا التعثر والتثاقل في جرسها وذلك من بدائع التصوير الفني في القرآن ، الذي يرسم حالة كاملة بلفظة واحدة )[35] .

    فعن طريق هذا التصوير الفني للأحداث والمشاهد تعيش نفس المتعلم أجواء تلك المشاهد الواقعية والغيبية على السواء وتندمج في بيئتها اندماجا كاملا يتيح لها تمثل المعاني واستشعارتأثيراتها النفسية المشكلة للتعلمات القرآنية.

    2- قدرة الخطاب القرآني على مواكبة المتغيرات الإنسانية الذاتية و الموضوعية.

    من خصوصيات النص القرآني قدرته على استيعاب الواقع البشري المتغير على اختلاف الزمان والمكان لكون القرآن هو الرسالة الخاتمة التي تتوجه بخطابها إلى الأجيال المتعاقبة على الأرض إلى يوم البعث .

         وهذا يقتضي أن يمتلك خاصية الملاءمة والموافقة لجميع التحولات الطارئة في حياة الناس أفرادا وجماعة ويمدهم بما تحتاجون إليه من يقين وتجديد الإيمان والهداية في النفوس ، وكأن مضمون القرآن يتجدد ليساير تلك التحولات ويرافقها بهيمنته عليها إلى الأبد . ونبسط هذه الخاصية في العناوين التالية:

    1-2          مواكبة القرآن للتحولات النفسية للفرد.

         إن الإنسان الذي لايستنير بنور الوحي الصحيح واقع لامحالة في الخبط والضلال، فإذا هرع إلى كتاب الله وتمسك بحبله أبصر بعد عمى واستقام سلوكه بعد اضطراب وتعثر، (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا)[36] . وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدهما ما أخذتم بهما أو عملتم بهما   كتاب الله وسنتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض)[37]

           يمر المرء بأطوار فكرية ونفسية تجتاح فيها نفسه موجة من الحيرة والقلق وتدني الإيمان فإذا فزع إلى رحاب القرآن وجد فيه السكينة والأمن والراحة الإيمانية ، فعن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن هذه   القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد قيل يا رسول الله فما جلاؤها قال ذكر الموت وتلاوة القرآن)[38] .

         كما أن في القرآن دواء للطباع الغليظة والأخلاق المعوجة إذا اتجه بها الإنسان إليه ورام تطهير نفسه منها به، فعن أبي قلابة ان رجلا قال لأبي الدرداء "إن إخوانك من أهل الكوفة يقرأونك السلام فقال وعليهم السلام ومرهم فليعطوا القرآن بخزائمهم[39] فإنه يحملهم على القصد والسهولة ويجنبهم الجور والحزونة[40]"[41]   .

           ويشفي القرآن أمراض النفس من وسوسة وشك ويأس وحزن كما هو واضح في الآيات التاليات : " الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"[42] . "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا"[43] . (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ)[44].

           ويشفي أيضا من الأدواء الجسمية، فعن أبي سعيد الخدري قال : "نزلنا منزلا فأتتنا امرأة فقالت إن سيد الحي سليم لدغ فهل من راق؟ فقام معها رجل منا ما كنا نظنه يحسن رقية فرقاه بفاتحة الكتاب، فبرأ فأعطوه غنما وسقونا لبنا فقلنا أكنت تحسن رقية فقال ما   رقيته إلا بفاتحة الكتاب قال فقلت لا تحركوها حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال ما كان يدريه أنها رقية أقسموا واضربوا لي بسهم معكم"[45].

    2-2 مواكبة القرآن للتحولات الإجتماعية.

           يرافق القرآن التغيرات التي تقع في المجتمع المسلم وتصير آياته نورهداية ورشاد لمن التمس فيه الحل والمخرج وتأمل آياته في ظل تلك الأوضاع الجديدة، ففي آيات عديدة من القرآن ما يدعو المسلمين للرجوع إليه عبر الزمان والمكان لتصحيح مسارهم وتقوية صلتهم بالله وهديه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )[46] فالرد إلى الله عند التنازع على أمر من الأمور هو الرد لكتابه والاحتكام لتوجيهاته، وكل خطاب القرآن النازل سابقا في واقعة محددة يمتد مدلوله ليعم الوقائع المتكررة والمتشابهة في حياة الناس ، حيث إن تجدد ها تجديد للنص الوارد في شأنها . ومثال لدلك نسوق الآيات التالية : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا)[47] . (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ)[48] . (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ )[49] . وعندما تطل الفتن برؤوسها لتشتت الشمل وتخرب الدين لاتكون النجاة منها إلا بالرجوع الجاد للاستمساك بكتاب الله وسنة رسوله ،فعن الحارث قال: (دخلت المسجد فإذا أناس يخوضون في أحاديث، فدخلت على علي فقلت ألا ترى أن أناسا يخوضون في الأحاديث في المسجد فقال قد فعلوها قلت نعم قال أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستكون فتن قلت   وما المخرج منها قال كتاب الله كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل ..)[50]

    3-2          مواكبة القرآن للتحولات المعرفية.

    اقتضى خلود القرآن خلود معجزته الدالة على ربانيته والتي هي أساس ما انفرد به من جاذبية وهيمنة تجعل الإنسان يهرع إليه ليتعلم تعاليمه ويتلقى إرشاده بنفس خاضعة خاشعة متلهفة لبيانه المبين لحقائق الدنيا والآخرة.

    فلما نزل أول ما نزل تحدى العرب بما برعوا فيه من المعرفة باللغة العربية وفنون تعابيرها، فتحداهم إذ كفروا بنسبته إلى الله أن ياتوا بمثله ثم بعشر سور من مثله ثم بسورة واحدة من مثله، وزاد من درجة التحدي عندما حكم مسبقا عليهم بالفشل (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ)[51] فعجزوا وما استطاعوا.

    ولكن الإعجاز اللغوي ستتراجع أهميته مع تراجع مستوى إتقان اللغة العربية عند العرب، وستتجه الأنظار على مستوى العالم إلى العلوم التجريبية التي أصبحت صاحبة الحكم المعتبر في كل القضايا الإنسانية وعلى رأسها الإيمان بالأديان والكتب المنزلة.

    وفي هذا الصدد أنجزت دراسات عدة مؤكدة توافق مضامين القرآن مع نتائج العلم التجريبي وحقائقه الثابتة، التي أبهرت الباحثين من كل الأجناس ودفعتهم للجزم بربانية القرآن وقدرته على مواصلة هيمنته على الفكر البشري المعتد بمناهج العلوم الحديثة ونتائجها العجيبة في تطوير نظرته لنفسه والواقع من حوله.

    ومن جهة أخرى فقد أتاحت الحقائق العلمية الجديدة في علوم الحياة والجيولوجيا والفلك والفيزياء والكيمياء ،إعادة فهم بعض الإشارات المرتبطة بها في المتن القرآني، مما ساهم في تجديد تفسيرها في ضوء المعطيات العلمية المتراكمة، ومن أمثلة ذلك تفسير الآية الكريمة: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ)[52]

    أورد ابن كثير في تفسير الآية[53]:

    "قال عطية العَوْفي: كانت هذه رتقًا لا تمطر، فأمطرت. وكانت هذه رتقًا لا تنبت، فأنبتت.

    وقال إسماعيل بن أبي خالد: سألت أبا صالح الحنَفِي عن قوله: { أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } ، قال: كانت السماء واحدة، ففتق منها سبع سماوات، وكانت الأرض واحدة ففتق منها سبع أرضين.

    وهكذا قال مجاهد، وزاد: ولم تكن السماء والأرض متماستين.

    وقال سعيد بن جبير: بل كانت السماء والأرض ملتزقتين، فلما رفع السماء وأبرز منها الأرض، كان ذلك فتقهما الذي ذكر الله في كتابه. وقال الحسن، وقتادة، كانتا جميعًا، ففصل بينهما بهذا الهواء".

    ويقول السيد محمد إسماعيل إبراهيم عن النظرة العلمية لهذه الآية: "يتفق نص هذه الآية مع أحدث النظريات في نشأة الأرض والسماء وذلك أنهما كانتا في أول أمرهما ملتصقتين داخل السديم الذى يحتويهما، ثم إنهما انفصلتا نتيجة انفجارات شديدة حدثت داخل السديم وتم الانفتاق المذكور في الآية بعد أن كانتا مرتوقتين أي متصلتين بعضها ببعض وفي ذلك إشارة لما حدث في الكون من انفجارات انتشرت بسببها مادة الكون فيما حولها من فضاء وفراغ انتهت بتكوين مختلف أجرام السماء المختلفة"[54]

    وهكذا استطاع الخطاب القرآني أن يحافظ على تعلق المؤمنين به الدين ازدادوا إيمانا مع إيمانهم ، كما نجح في استقطاب اهتمام غير المسلمين من ذوي التخصصات العلمية في مختلف الميادين المعرفية، وهذا ما عزز قدرة الخطاب القرآني على أن يظل معلم الإيمان بالله ومنهجه في الحياة لجميع الأجيال المتعاقبة فوق الأرض مهما بلغته معارفهم في شتى المجالات العلمية.

    رابعا: المعالم القرآنية للتجديد التربوي:

     

    للقيام بتجديد تربوي مؤسس على فكر إسلامي أصيل ،يمكن استخلاصا من العرض تحديد المعالم القرآنية التالية:

    1-  بناء بيداغوجية فعالة تنطلق من المجهودات التعلمية التي يتولى المتعلم فيها المسؤولية الأولى لاكتساب المعارف وتحصيل الكفايات والمهارات في مختلف ميادين الحياة.

    2-    رصد جوائز قيمة على مستوى العالم الإسلامي للبحوث التربوية التي تمكن من تأسيس تربية إسلامية قرآنية قابلة لإخراج الأمة من حال التخلف والجمود والتبعية للغير في كل مجالات الحياة.

    3-    العمل على أسلمة النظريات التربوية الحديثة في ضوء دراسات تربوية قرآنية رصينة.

    4-    بذل الجهد واستفراغ الطاقة لإبداع نظريات تربوية إسلامية ترتكز على معطيات التربية القرآنية والتربية النبوية.

    5-   العمل لإحداث مراكز تشتغل على الإبداع التربوي من منظور إسلامي أصيل ومنفتح على منجزات التربية الحديثة.  

     

     

     

     

     

     

     



    - طه 13-15[1]

    - الكهف 29 .[2]

    - الملك 1-2[3]

    - النساء 136

    [4]

    - البقرة 247[5]

    - الأعراف 69 .[6]

    - البقرة 17 .[7]

    - الرحمن 41 .[8]

    - البقرة 259 .[9]

    - التوبة 125 .[10]

    - البقرة 26 .[11]

    - المائدة 16 .[12]

    - آل عمران 7 .[13]

     

    - الإسراء 109.[14]

    1- الغاشية 17-22 .

    - الطور 33-43 [16]

    - النحل 103[17]

    - المائدة 18[18]

    - الإسراء 73-75 .[19]

    - الحديد 16 .[20]

    - البقرة 30-33 .[21]

    - الأعراف 11-18[22]

    - الأنبياء 51-70 .[23]

    - البقرة 264[24]

       رواه الطبراني في المعجم الكبير   - [25]

               النساء 83 .   -[26]

    - مسند أحمد والطبراني في المعجم الكبير .[27]

       2 - جاء في مختار الصحاح ج1 ص 257 "وماحل مصدق جعله يمحل بصاحبه إذا لم يتبع ما فيه ، أي يسعى به إلى الله تعالى وقيل معناه وخصم مجادل   مصدق، - والمماحلة المماكرة والمكايدة.[28]

    مورد الظمآن – علي الهيثمي ج1 ص 443 - [29]

    - الأعراف 146.[30]

    رواه الترمذي - [31]

    - السهيلي، الروض الأنف –ج4 ص443.[32]

    آل عمران 144 . - [33]

    - أبي شجاع الديلمي ، الفردوس بمأثور الخطاب ج3 ص 228. [34]

    - سيد قطب ، في ظلال القرآن ، تفسير الآية 72 النساء.[35]

    - الإسراء 9.[36]

    - سنن البيهقي الكبرى ج10 ص 114 .[37]

    - مسند الشهاب ج2 ص198 .[38]

    2 .- خزائمهم : جمع خزامة وهي ما يجعل في أنف البعير ليذلل به ، فما كان منه من الشعر فهو خزامة وما كان من خشب فهو خشاش. (انظر الغريب للخطابي   ج2 ص 348) .[39]

    - الحزن : المكان الغليظ الخشن ، والحزونة الخشونة . ( انظر النهاية في غريب الحديث ج1 ص380 .[40]

    مسند الدارمي ج2 ص 526 - [41]

    - الرعد 28.[42]

    - الإسراء 82.[43]

    - يونس 57.[44]

    - روام مسلم وغيره.[45]

    - النساء 59[46]

    . - آل عمران 103[47]

    - الرعد 11 .[48]

    - الحديد   16[49]

    - مسند الدارمي ج2 ص 526.[50]

    - البقرة 24 .[51]

    - الأنبياء 30 .[52]

    - ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ،تحقيق سامي بن محمد سلامة – دار طيبة للنشروالتوزيع – ط2 ،1420- 1999[53]

    - محمد اسماعيل إبراهيم ، القرآن وإعجازه العلمي – دار الفكر العربي ص 61 .[54]

    بسم الله الرحمن الرحيم

     

     

    المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة                        المعهد العالمي للفكر الإسلامي

                       إيسسكو- الرباط                                                     واشنطون

     

     

    المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية الإسلامية

    المدرسة العليا للأساتذة بتطوان

     

     

    الندوة الدولية

    في موضوع

     

    القيم الإسلامية ومناهج التربية والتعليم

    من 21 إلى 23 نونبر 2005

     

     

    مداخلة: الأستاذ عبد السلام الأحمر                    آليات إدماج القيم في منهاج التعليم

       مفتش ممتاز للتعليم الثانوي

    بأكاديمية التربية والتكوين بالقنيطرة

         المملكة المغربية

     

    تصميم المداخلة:


    مقدمة

    من خصائص القيم

          1.- الثبات
          2.– الفاعلية
          3.- التكاملية

    تحديد الآليات التربوية الضرورية لإدماج القيم

        1.- القيمة المركزية
        2.- القدرة التأطيرية للقيمة المركزية
        3.- الإدماج في نشاط المتعلم
        4.قابلية القيمة المركزية للممارسة
        5.- الامتداد عبر مختلف المواد الدراسية

    نموذج تطبيقي خلال سنة دراسية هي الأولى إعدادي ثانوي

           تمهيد نظري

        أولا : اللغة العربية

          1.– النصوص القرائية
          2.– الدرس اللغوي

          3.– التعبير والانشاء

        ثانيا: التربية الإسلامية

        1.على مستوى بناء المنهاج
        2.على مستوى التأليف المدرسي
        3.على مستوى العمل الفصلي

     

    آليات إدماج القيم في منهاج التعليم

     

    الأستاذ: عبد السلام الأحمر

     

    عرفت القيم بأنها عبارة عن الأحكام التي يصدرها الفرد بالتفضيل أو عدمه على أشياء معينة، ويرى البعض أنها معتقدات راسخة تملي على الإنسان سلوكا معينا في ظروف اجتماعية معينة، فهي تخلق السلوك وتوجهه في الاتجاه الذي يتوافق معها وقيل إنها مجموعة من التنظيمات النفسية لأحكام فكرية وانفعالية تعمل بتوجيه الأفراد وإراداتهم لتحقيق غايات محددة .

    واتجهت تعريفات أخرى إلى القول بأنها عامة و شاملة لأفراد المجتمع ليست سلوكا ولكنها تحث على السلوك .

    وتستند القيم في وجودها إلى الفطرة السليمة التي جبلها الخالق على حب الفضائل وتقديرها وذم الرذائل و إنكارها . فالنفس تحب العدل و الصدق وتحمل المسؤولية والأمانة وإحسان السلوك وإتقان العمل، وتمقت الكذب والظلم والخبائث والغرور والكسل وما شابه ذلك.

    و من مقاصد الأديان السماوية تذكير النفس بما جبلت عليه من معرفة مكارم الأخلاق وجميل الأوصاف والطباع، ومن إنكار قبائح السلوك و مذموم الأخلاق والفعال.

    فالدين يأمر بالمعروف كل المعروف، وينهى عن المنكر ويصنع للنفس من هذا وذاك قيما خالدة، نابعة من الإيمان بالله وتوحيده وعبادته وتقديسه وشكره ومحبته، وقد تكون القيم المختارة من لدن أمة و شعب ذات صلة بما آلت إليه معتقداتها الدينية وتطورت إليه اختياراتها الحضارية.

    ولكل قيمة أساسية مجموعة من الأخلاق والسلوكات المتولدة عنها، والمحققة لها في واقع الحياة، حيث إن مجموعة القيم المعتمدة لدى كل أمة من الناس هي التي تشكل فكرها وأخلاقها وعاداتها ونمط سلوكها، وهي التي تمدها بالقدرة على التماسك والتعاون، وعلى الإبداع والإنتاج والفعل الحضاري في أبعاده المختلفة .

    و أما علاقة القيم الأصيلة بغيرها، فإنها تقبل ما ينسجم معها و يساير اتجاهها العام، وترفض ما يخالفها و يصطدم معها، أو يعتبر دخيلا عليها معاكسا لتوجهها ومبادئها. فقيمة الإيمان منافية لقيم الكفر مضادة لها، وقيمة حب العمل طاردة للكسل والخنوع والتقاعس، وقيمة الحرية مانعة للتبعية والخضوع والاستعباد وهلم جرا.

    فكل قيمة تبعث على مجموعة من السلوكات والأخلاق المحققة لها،فالصدق مثلا قيمة مركزية تتجسد سلوكيا في الوفاء بالوعد، و تحري الصدق في القول والعمل والمعاملات، وإتقان العمل ورفض شهادة الزور، والخيانة والكذب والقذف والافتراء، وهكذا الشأن بالنسبة لجميع القيم الأساسية الأخرى، فإنها تحتاج دائما إلى ما يترجمها في واقع الناس من أخلاق وقوانين ونظم وتقاليد وشعارات .

        من خصائص القيم:

    1  ـ الثبات:

    تتميز القيم بخاصية الثبات، فهي من مقومات وجود الأمم واستمراريتها في الزمان والمكان، كما أنها تدوم بدوام المعتقدات والاختيارات الفكرية المؤطرة لها، وتترسخ برسوخها، ولا يصيبها التغيير إلا بعد حقب طويلة من التألق والعطاء، حيث تتأثر عادة بحركية الأمة، وأوضاع صحتها ومرضها و نهوضها وانحطاطها.

    2  ـ الفاعلية:

    و هي قدرة القيم على إبداع الأفكار، وصبغها بصبغتها الخاصة، و توجيه العواطف وتأجيجها، وضبط السلوك وتقويمه، وتوحيد وجهة الأمة وتعبئتها في ميدان التنمية والبناء الحضاري.

    ومن تم فإن قيم الأمة، لا بد أن تحضر بقوة فاعلة، في سياستها واقتصادها و قانونها واجتماعها و تربيتها و فنونها، وأن تشكل القلب النابض في ثقافتها و فلسفتها في الحياة.

    3  ـ التكاملية:

    فالقيم توجد ضمن منظومة متكاملة يشد بعضها بعضا، وتقوي ممارسة كل قيمة ما يرتبط بها من القيم الأخرى، وتحتاج ممارسة كل قيمة، إلى ما يتصل بها من القيم الأخرى، وتستدعي اكتساب أخلاقها ومقتضياتها السلوكية والانفعالية، وكل إخلال بقيمة ما، يؤدي حتما إلى تصدع المنظومة برمتها و يعرضها للانهيار.


    تحديد الآليات التربوية الضرورية لإدماج القيم

    1ـ القيمة المركزية.

    ويتوصل إليها باختيار قيمة أساسية، تدور حولها جميع القيم المطلوب ترسيخها لدى النشء.

    فكلما كانت القيم المجتمعية قابلة للتركيز في قيمة واحدة، ازدادت قدرتها على تعبئة النفس للعمل على تجسيدها في الواقع، وتحقيقها عبر الالتزام السلوكي بالمنظومة في جميع عناصرها ومكوناتها المختلفة، حيث إن تركزها في قيمة جامعة يجعل النفس تستوعبها بسرعة، و تستلهمها في كل حين، وتتحسس كل ما يتصل بها من الأفعال والأقوال و الوجدانات، فيسهل الاحتكام إلى روحها، وتمثلها في السلوك، وانضباط النفس بهديها و توجيهها .

    و يصبح أفراد المجتمع على تفاوت مداركهم وتعدد طبقاتهم، قادرين على استيعاب منظومة القيم، والانفعال بها والسير على نهجها في دروب الحياة . كما يتيسر على مختلف الفاعلين الاجتماعيين العمل على بلورة معطياتها في مشارعهم الفكرية والسياسية والتربوية و الفنية والثقافية.

    وتبرزأهمية هذا النهج خاصة في المجال التربوي، لربط الناشئة بنظام قيمها، وجعلها تدرك قدرها وأبعادها منذ فجر طفولتها، لينمو في نفوسها حب تلك القيم والتشبع بها مع نمو جسمها وفكرها.

    2ـ القدرة التأطيرية للقيمة المركزية.

    لا بد من التأكد من قدرة هذه القيمة المركزية على تأطير تعلم القيم الأخرى المطلوبة دون تكلف، فتتم صياغة القيمة المركزية باعتبار القاسم المشترك بين جميع قيم المنظومة، والذي يشترط فيه أن يكون روحا سارية وبينة في كل قيمة على حدة، من حيث كونها عنصرا ينتمي إلى منظومة معينة .

    و بذلك تحضر القيمة المركزية في عملية تعلم باقي القيم، وتساعد المتعلم على إيجاد العلاقة الرابطة بينها و بين القيمة الأم، التي يلزم استحضارها في دراسة كل مضمون يشتمل على قيم، أو يحيل عليها دون تكلف أو اعتساف .

    3ـ الإدماج في نشاط المتعلم.

    اعتماد النشاط الفكري والعضلي والتفاعل الوجداني للمتعلم، من خلال التدريس بمقاربة الكفايات، أساسا لترسيخ القيم في نفوس الناشئة .

    ليس ثمة طريقة أنجع في ترسيخ القيم في نفوس النشء من التعريف بها و بيان مزاياها وفوائدها في حياة الفرد و المجتمع، فذلك ما يدفع المتعلم إلى منحها التقدير اللازم في نفسه، فيحبها ويحب الاتصاف بها، ويتطلع إلى أن يتقوى وجودها و تأثيرها في أحوال الناس، حتى ينعموا بعطاءاتها في واقع نفوسهم وأوضاعهم الحياتية كلها .

    وإذا حصل هذا التقبل والتعلق الوجداني، احتاج المتعلم إلى ممارسة تلك القيم، ليزداد معرفة بها وإحساسا بآثارها الطيبة في فكره ونفسه وسلوكه، مما يحفزه على تعلق قلبه أكثر بممارستها باقتناع وحماس، يفضيان إلى ترسيخها في النفس وتوجيهها للسلوك.

    و هذا ما تسمح بتحققه مقاربة التدريس بالكفايات، التي تمكن من التركيز على تحقيق كفاية ترسخ قيمة معينة، عبر سلسلة من الأنشطة التربوية، التي تفسح المجال أمام المتعلم، ليتعرف بنفسه على قيمة من القيم، ويكتشف من مميزاتها ما يحمله على تخصيصها بما يليق بها من التقدير والحب، يؤديان به في آخر المطاف إلى استلهامها في سلوكه، و تقويم الأفكار والتصرفات والظواهر الاجتماعية، وتكوين مواقف شخصية إزاءها.

    4ـ قابلية القيمة المركزية للممارسة.

    تتأكد مركزية القيمة الأساسية في منظومة القيم، بحضورها البارز في جميع القيم الأخرى، حيث تغدو ممارسة أي منها ممارسة للقيمة المركزية، وترسيخا لها في كيانات الأفراد والجماعات.

    فكل قيمة تتكرر ممارستها عبر قيم أخرى وبوتيرة أكبر في السلوك اليومي لأفراد المجتمع، تعتبر قيمة حية وفاعلة في هذا المجتمع، توجه أفكار ومشاعر وسلوكات أفراده . وكل قيمة ليس لها هذا التأثير فهي قيمة ميتة، لا تنهض همة ولا تنشئ إرادة.

    فلكي تترسخ القيم في نفس المتعلم، يحتاج إلى أن يتردد ذكرها على مسامعه، وتتوارد معانيها على قلبه وفكره، ويتكرر إحساسه بها في وجدانه، بل وتتعدد مناسبات ممارستها انطلاقا من الفصل باتجاه الحياة، داخل الأسرة والمجتمع، في جل المواد الدراسية و موضوعاتها المختلفة، إذا لم يمكن تحقيق ذلك في جميعها .

    5ـ الامتداد عبر مختلف المواد الدراسية.

    أي حضورها في المستوى الواحد، والمراحل المتوالية. وتقتضي عملية إدماج القيم في المنهاج الدراسي، العمل على بناء مقررات المواد المختلفة عبرالمستويات المتتالية، على أساس ترسيخ منظومة شاملة من القيم، وممارسة شبيهاتها ومتعلقاتها المعضدة لها من القيم الأخرى.

    ففي كل مادة تقدم القيم من خلال منهجها الخاص، والذي يوجه للكشف عن بعض أبعادها المعرفية والسلوكية والحضارية، ويكون التدرج في أسلوب تناولها، وفق ما يواكب نمو المتعلم العقلي والعاطفي والجسمي، حتى يتواصل ترسيخ القيم بمقاربات مناهج المواد كلها، موازاة مع النمو المعرفي والمهاري، وعبراكتساب مختلف الكفايات العامة والخاصة .

     

    نموذج تطبيقي خلال سنة دراسية هي الأولى إعدادي ثانوي

    قبل الدخول في محاولة تقديم نموذج تطبيقي لعملية إدماج القيم في المنهاج التعليمي المغربي نسوق التوضيحات الضرورية التالية :

    المقررات التي تجري فيها هذه المحاولة، لم تخضع للتصور الذي دارعليه الحديث في هذه المداخلة، وإن كانت الإشارة إلى نية إدماج القيم فيها، واردة في الإطار المعتمد لمراجعة البرامج والمناهج، وهذا ما سيجعل النموذج المقدم غير مستوف للعناصر الأساسية التي حددت لعملية الإدماج في هذا المشروع .

    فالغرض المقصود من المحاولة بهذا الاعتبار، هو إبراز حدود إمكانية تدارك ما فات أثناء البرمجة، من طرف المدرسين، والتعويل على تدخلهم الواعي، لتحقيق المتاح من مستويات الإدماج.

    لا شك أن توافر إمكانيات الإدماج في وضعيات البرامج الحالية، من شأنه أن يرفع درجة الاقتناع بقابلية النموذج النظري المقدم للتطبيق العملي، إذا روعيت جميع شروطه، واتبعت كل خطواته أثناء بناء البرامج وانتقاء مضامين دروسها وأنشطتها المختلفة، وتم بالتنيسق بين مختلف المواد الدراسية .

    تم اختيارالمسؤولية قيمة مركزية لمنظومة القيم المتوافرة بشكل ملحوظ في ثنايا مختلف برامج المواد الدراسية وعبرمستويات المراحل، فضلا عن ارتفاع درجة شموليتها لكل القيم الأخرى، إلى جانب اعتبارات مرجحة أخرى نذكر منها:

    3-1 ورودها ضمن القيم المستهدفة في المراجعة الحالية للبرامج، والمنصوص عليها في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي أكد في أولى مرتكزاته الثابتية "يهتدي نظام التربية والتكوين للمملكة المغربية بمباديء العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية لتكوين المواطن المتصف بالاستقامة والصلاح، المتسم بالاعتدال والتسامح الشغوف بطلب العلم والمعرفة، في أرحب آفاقها، والمتوقد للا طلاع والإبداع، والمطبوع بروح المبادرة الإيجابية والانتاج النافع" وفي الكتاب الأبيض فصلت الاختيارات والتوجهات التربوية العامة هذا التوجه في مواضع عديدة، نورد منها المقتطفات التالية:

    -        المساهمة في تكوين شخصية مستقلة ومتوازنة ومتفتحة للمتعلم المغربي.

    -        إعداد المتعلم المغربي للمساهمة في تحقيق نهضة وطنية اقتصادية وعلمية وتقنية.

    ولقد لخص في فقرة تالية، الحاجات الشخصية للمتعلمين وهي:

    -        الثقة بالنفس والتفتح على الغير.

    -        الاستقلالية في التفكير والممارسة.

    -        التفاعل الايجابي مع المحيط الاجتماعي على اختلاف مستوياته.

    -        التحلي بروح المسؤولية والانضباط.

    -        ممارسة المواطنة والديموقراطية.

    -        إعمال العقل واعتماد الفكر النقدي.

    -        الانتاجية والمردودية.

    -        تثمين العمل والاجتهاد والمثابرة.

    -        المبادرة والابتكار والإبداع.

    -        التنافسية الإيجابية.

    -        الوعي بالزمن والوقت كقيمة أساسية في المدرسة والحياة.

    -        احترام البيئة الطبيعية والتعامل الايجابي مع الثقافة الشعبية والموروث الثقافي والحضاري المغربي.

    فكل هذه الحاجات تصب في اتجاه واحد هوتنمية المسؤولية الشخصية والوعي الذاتي.

    3ـ 2 قدرتها على تعبئة التلميذ، لتشغيل كافة طاقاته في العمليات التعلمية، لاكتساب القيم المختلفة، والسعي لترسيخها ضمن إنجازه للأنشطة الفصلية والممارسات الحياتية .

    3ـ 3 توافر المسوغات العلمية والتربوية لجعل المسؤولية قيمة مركزية لمراجعة البرامج والمناهج، في الظرف الحالي الذي تجتازه البلاد والتحديات الراهنة التي تواجهها الأمة. حيث تمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى، إلى التعبئة الشاملة، واليقظة الدائمة، والقطع مع أخلاق الأنانية واللامسؤولية والسلبية والانهزامية.

    3-4 تم الاقتصار في هذا النموذج على مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية دون غيرها، باعتبار قابلية هاتين المادتين لاستيعاب القيم والتربية عليها أكثر من غيرها، مع الأخذ في الحسبان أنها توفر القدرالكافي لبناء نموذج توضيحي.

    أولا اللغة العربية:

     

       والتي يمكن أن تكون خادمة لمنظومة قيم المسؤولية، إذا وجد القصد لبناء المنهاج برمته على أساسها، وتم انتقاء مشاريع التأليف الناجحة في حسن تقديم المادة المعرفية، من خلال هذا النهج، والبراعة في إحكام بنائه، بما يرسخ قيم الواجب لدى النشء.

       ويتسع مجال إدماج القيم في مقرراللغة العربية بالأولى إعدادي، ليضم المجالات التالية:

    1-   النصوص القرائية

    و تنقسم القيم المتضمنة فيها إلى الأقسام التالية:

    -         قيم إسلامية:

    وتساق عبر نصوص قرآنية وحديثية وفكرية تمجد القيم الإسلامية، وتستهدف غرسها في فكر المتعلم ووجدانه.

    -         قيم وطنية إنسانية:

    وتقدم خلال نصوص نثرية وشعرية، تعرف التلميذ بأمجاد بلاده، حتى ينشأ محبا لوطنه معتزا بهويته، مستشعرا لمسؤوليته في السعي إلى استعادة تلك الأمجاد، والحفاظ على هويته.

    كما يدرس التلميذ نصوصا تعمق انتماءه الإفريقي والإنساني، عبر تناولها لقيم حقوق الإنسان المنسجمة مع الروح الإسلامية.

    -         المجال الاجتماعي والاقتصادي:

    ويضم نصوصا تعرف المتعلم بظواهر وإشكاليات اجتماعية وثقافية راهنة (مسالة الإنسان والقانون – المرأة – الطفل ..) والتي تمنح فرصا عديدة للتعرف على حقوق الفئات المذكورة وواجباتها، وكيفيات المساهمة الفعالة في التعريف بها والحرص على احترامها.

    -         المجال السكاني:

    ويشتمل على نصوص تتناول التربية الصحية، والوقاية من الأمراض المعدية، والتربية الطرقية، الهجرة القروية، الجفاف، أزمة الماء، تدمير الطبيعة، النظافة، السكان والقيم، السكان وبدائل المستقبل، حيث يمكن تحليل هذه القضايا بخلفية المسؤولية الفردية والجماعية، وتمكين المتعلم عبر عمليات النقاش والحوارمن تحديد دوره ومسؤولياته في التوعية حول هذه المواضيع، والقيام بواجبه المتعين عليه للتخفيف قدرالإمكان من حدة المشاكل المطروحة.

    -         المجال الحضاري:

    ويحتوي نصوصا تعرف المتعلم بالإنجازات الحضارية لمختلف الشعوب على المستوى المادي والثقافي:( آثار- متاحف – اكتشافات – اختراعات – ظواهر علمية وتقنية ) حيث يتأتى إبرازدور قيم حب العمل والإبداع والإتقان واستشعار المسؤولية الفردية والجماعية في تحقيق كل هذه الإنجازات.

    2-     أنماط القراءة:

    -    القراءة المنهجية للنصوص القصيرة النثرية والشعرية، والتي يجب انتقاؤها بحسب مضامينها القيمية التي تصب في تعزيز قيم الأمانة وأخلاق المسؤولية.

    -    القراءة المسترسلة، والتي يكون موضوعها مقتطفات عربية أو مترجمة ذات طبيعة سردية مستمدة من نصوص روائية ومجاميع قصصية ونصوص مسرحية، وكل هذه الأنواع قابلة لأن تكون وسائل شيقة وفعالة، تحظى بتجاوب النفس التلقائي معها، لاقتناع التلميذ بما تكرسه من قيم رفيعة مثل الوفاء والتضحية والصدق والإخلاص وما يماثلها من قيم المسؤولية.

    -    القراءة الاستماعية، ويترك اختيار نصوصها للأستاذ، مع مراعاة مدى استيفائها للشروط التربوية، وملاءمتها للمنظومة القيمية المعتمدة.

    3-   الدرس اللغوي:

    والذي لايسوغ أن يبقى بمعزل عن المساهمة في ترسيخ القيم وزيادة جرعاتها في مواد اللغة العربية، ويكون ذلك عن طريق إيراد الأمثلة التطبيقية للقواعد اللغوية والنحوية والصرفية، الحاضة على قيم المسؤولية، وهو نهج درج عليه أجدادنا منذ القدم.

    4-   التعبير والإنشاء:

    والذي لايعتبر مجالا لتطبيق تعلمات المواد اللغوية الآنفة فحسب، وإنما يتسع في ذات الآن ليكون مناسبة مواتية للتعبيرعن الإحساس بالمسؤولية تجاه القضايا المتحدث عنها، وتحديد المواقف الشخصية منها، والتفكير في اقتراح حلول موفقة لها.

    والأستاذ يضطلع بدور أساسي في استثمار هذ النشاط على أحسن وجه، إذ يرجع إليه الفضل في انتقاء المواضيع المناسبة لإدماج قيم المسؤولية، وتدريب تلامذته على طرقها برؤية واضحة، ترسخ في أذهانهم ثقافة المسؤولية.

    ثانيا: التربية الإسلامية

       تعتبر مادة التربية الإسلامية، المجال الأكثر طواعية لترسيخ قيم المسؤولية وأخلاقها، لاسيما برنامجها الجديد، الذي تم بناؤه على أساس تعميق البعد التربوي، انطلاقا من تسمية وحداته العشرة:( التربية الاعتقادية – التربية التعبدية – التربية الصحية – التربية الجمالية ..) وانتهاء باختياردروسها الملامسة لواقع المتعلم في مختلف دوائره الفردية والجماعية.

    ويمكن حصرآليات إدماج قيم المسؤولية في دروس هذه المادة على المستويات التالية:

    1- على مستوى بناء البرنامج

    يمكن اختيار الموضوعات الكفيلة بترسيخ قيم المسؤولية، والدفع بالمتعلم إلى إدراك دوره الأساس في تعلم الواجبات وتحديدها، انطلاقا من المضامين والقضايا المدروسة، التي يمكن تصنيفها إلى صنفين:

    أ‌-       دروس حاملة لقيم المسؤولية

         يتعين إبرازها والكشف عن علاقتها بالمسؤولية الفردية والجماعية، واستدراج التلميذ للانخراط بطواعية في ذلك، وتبين كيف يعين استشعار المسؤولية على حسن تمثل تلك القيم وتيسيراكتسابها، وفي ختام الدرس يطلب منه، بحث ما يراه من وسائل المساهمة في نشر هذه القيم داخل محيطه، حتى يكون قائما بواجبه تجاه نفسه وغيره، رابطا بين التعلم والعمل ممارسا لما تعلمه من المسؤوليات والواجبات والأخلاق الحميدة.

               ومن أمثلة هذه الدروس في المقرر الحالي:

    الإيمان وأثره في حياة الإنسان – صفات المؤمن – محمد رسول الله المثل الأعلى – العبادة في الإسلام – دعوة الإسلام إلى العلم – المال في الإسلام – العفة والقناعة في تحصيل المال – بر الوالدين – أثر الفضائل في المجتمع (الصدق، الأمانة، الحياء) الحث علىالتداوي – التعارف والتواصل ضرورة بشرية – رعاية الحقوق في الإسلام (حق الله – حق الله على العباد – حق النفس – حق المسلم على المسلم) – إماطة الأذى عن الطريق. الرفق بالحيوان.

         ب - دروس تستهدف التعريف بأخلاق ذميمة وسلوكات منافية لقيم المسؤولية والأمانة

    و يتولى التلميذ التوصل بمجهوده الخاص، واسترشادا بتوجيهات الأستاذ إلى توضيح مدى مناقضتها لأخلاق المسؤولية، وما تنطوي عليه من انحرافات شديدة عن روحها ومقتضياتها. ثم يكلف بتحديد دوره في مناهضتها في رحاب الواقع المجتمعي، بادئا بتطهير نفسه من لوثاتها وشوائبها الخفية.

         ومن أمثلة هذه الدروس:

    محاربة الجهل والأمية – محاربة الإسلام للمفاسد الاجتماعية ( الغش، الرشوة، الكذب، الغيبة، النميمة). وهناك دروس أخرى قابلة للتعرض فيها لهذا النوع من المفاسد والمساويء، مثل: نظافة البدن،الأمانة في تلقي الخبرونقله، حق المسلم على المسلم، إماطة الأذى عن الطريق.    

    2- على مستوى التأليف المدرسي

    والذي يتعين فيه اعتماد مقاربة لإدماج قيم المسؤولية ، من خلال منهجية بناء الدروس، عن طريق الأنشطة التعلمية التي يلزم أن توجه التلميذ لتحمل مسؤوليته كاملة، في عمليات تحديد المفاهيم، والتعبيرعن الآراء الشخصية، وبلورة المواقف الذاتية، وأن تتحاشى الخطوات المرحلية، والعمليات التعليمية التعلمية، توجيه الأمر بالتزام سلوك بعينه، بدل إستدراج المتعلم إليه من تلقاء نفسه، باعتباره النتيجة الطبيعية لمآل التعلمات السابقة.

    2-       على مستوى العمل الفصلي

    يعتبر الانخراط الواعي للأستاذ أساسيا في استثمار كل إمكانات الدرس، لتحقيق أعلى درجات ترسيخ قيم المسؤولية والتشبع بمبادئها وأخلاقها، وهذا قد يصبح متيسرا عن طريق التكوين الرصين إذا خضع له المدرسون مع كل إصلاح جديد للمنهاج التربوي.

                                                       

      ذ عبد السلام الأحمر

    الدورة التدريبية,القرآن الكريم وخطابه المتجدد

     

    10

     

    مداخلة الطالب الباحث,علواش محمد.

    تجديد الخطاب القرآني عند نصر حامد أبي زيد.

     

    نخصص الحديث في هذه المداخلة لمناقشة فكرة أساسية ومحورية تدور حول مفهوم تجديد النص القرآني عند نصر حامد، ومنطلق هذه الفكرة يرجع أساسا إلى النتائج المحصل عليها أثناء دراسة أفكار نصر حامد من خلال مجموعة من كتبه أبرزها مفهوم النص،الخطاب والتأويل,إشكالية القراءة وآليات التأويل,الاتجاه العقلي في التفسير, والتي أسفرت عن نتيجة مركزية مفادها أن النص حمال للدلالات الغزيرة، وفعل القراءة خلق جديد له، واكتشاف لأبعاد مقصودة وغير مقصودة فيه، ثم إن الدراسة الأدبية للقرآن كفيلة بتحقيق وعي علمي بالتراث، وذلك بتبني المدخل اللغوي لدراسة علاقة النص بالواقع، والمتمثل في اختيار منهج التحليل اللغوي في فهم النص، باعتباره المنهج الوحيد الملائم لموضوع الدرس ومادته، بل لفهم الإسلام ورسالته بصفة عامة.

    كانت هذه أهم المداخل المركزية لربط النص بالقارئ في إشارة إلى الاهتمام بالدراسات الألسنية الحديثة، وربطه بالواقع في إشارة إلى الاهتمام بالجدلية المادية.

    وبناء على هذه الخطوط العريضة التي تلخص عصارة ما راكمه نصر حامد، سنحاول تقديم سؤال محوري، تشكل الإجابة عليه العمود الفقري لهذه المداخلة، والسؤال هو: إلى أي حد يكون المنهج اللغوي كفيلا وقادرا على تجديد فهم النص القرآني باعتباره منبثقا من مادة النص؟ هل الادعاء بأن القرآ ن نص لغوي كاف تفسيره و تجديد فهمه من خلال اللغة التي كتب بها ؟ أم لا بد إلى جانب اللغة من ضوابط أخرى ملازمة وضرورية لا غنى للمفسر عنها.

    فإذا كان المعنى التاريخي عند نصر حامد يفيد مجمل المعاني التي استنبطها المفسرون الأوائل كالصحابة والتابعين والعلماء بعدهم، والتي مثلت إطارا دلاليا للغة القرآنية، غير أن المعنى التاريخي يثير كثيرا من المشكلات في الفهم والتفسير المتجدد للنص، إذ يؤدي الوقوف عند المعاني التاريخية إلى السقوط في التعارض بينه وبين مقولة صلاحية النص القرآني لكل زمان ومكان، كما يؤدي ذلك إلى الوقوع في وهم المطابقة بين النص المفسر والنص الشارح.

    والواقع أن الأمر يعتبر من أخطر المنافذ التي يتسلل منها -أمثال نصر حامد- لنقض النص القرآني، حيث يتم تجريد كلام الله من الشهادة الخالدة على الناس، والتحرك الإيجابي في تغيير أحوال البشر.

    ولذلك نلاحظ نصر حامد ذكر أن أصحاب المعنى التاريخي حصروا مهمة المفسر في النقل والإسناد، وأنكروا استعمال الرأي في استخراج المعنى، لأنه معطى سلفا، وغاية ما يتحرك فيه عقل المفسر هو الترجيح بين المعاني التاريخية المختلفة، والاختيار منها بواسطة الإسناد وتحقيق النص كالجرح والتعديل. ولعل هذا الأمر هو الذي حمل أبا زيد على انتقاده لهذا الاتجاه بصيغة تعميمية، ونسي أن من المتقدمين من تنبه لهذه القضية وعارضها، نذكر مثلا أبو حيان الأندلسي (ت 745هـ) الذي قال في نص واضح على ما نحن بصدده « وقد جرنا الكلام يوما مع بعض من عاصرنا، فكان يزعم أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني تراكيبه بالإسناد إلى مجاهد وطاووس وعكرمة وأضرابهم، وأن فهم الآيات متوقف على ذلك، والعجب له أنه يرى أقوال هؤلاء كثيرة الاختلاف، متباينة الأوصاف، متعارضة ينقض بعضها بعضا، (...)،وكان هذا المعاصر يزعم أن كل آية نقل فيها التفسير عن السلف بالسند إلى أن وصل ذلك إلى الصحابة. )...(، وعلى قول هذا المعاصر يكون ما استخرجه الناس بعد التابعين من علوم التفسير ومعانيه ودقائقه، وما احتوى عليه من علم الفصاحة والبيان والإعجاز لا يكون تفسيرا حتى ينقل بالسند إلى مجاهد ونحوه، وهذا كلام ساقط [1]».

    ولعل مؤلفات العلماء في التفسير بالرأي توحي بخطورة ما يؤدي إليه الاكتفاء بمجال الرواية والسماع من توقف الأنظار عن تدبر آيات الله وتأمل أحكامه، مع أن القرآن ندب العقول إلى استجلاء حقائق التنزيل، وبيان ما تهدف إليه من مقاصد وغايات، واستخلاص معانيه حسب تغير الأزمان والأحوال، ففتحوا باب الاجتهاد والتفسير، ووجدوا في المعنى القرآني سعة لقبول مختلف التأويلات، إذ لو كان المقصود جمع الناس على معان موحدة لأنزل الله القرآن محكما كله، ولكلف رسوله أن يفسره كله، ولكنه سبحانه جعل النص القرآني كما قال الإمام علي "حمال وجوه"،«متحركا نابضا بالحياة، شاهدا على الناس كلهم، فضمن كتابه المتشابه والمشترك والمجمل والعام، وأرشد الناس إلى المقاصد العامة[2] »، وأرسى قواعد العدل والمصلحة في التشريع، ودعاهم إلى الوقوف عندها.

    تجدر الإشارة إلى أن نصر حامد يفرق بين المعنى التاريخي والمعنى الذاتي أو المعاصر للنص،فهو يدعو إلى تجاوز المعنى التاريخي، والوقوف عند المعاني التي أنتجها القارئ المعاصر للنص، بغض النظر عن اعتقاداته وميولاته، ومعلوم أن التراث التفسيري عرف أنصارا للمعنى الذاتي تمثل في المدارس الكلامية والفلسفية والصوفية، حيث حملت القرآن على مقتضى النظر المذهبي للمفسر، وتتجلى مزالق هذا الاتجاه في جعل النص تابعا للمتلقي بدلا من اتباع المتلقي للنص وتوجيهاته، مما أفضى إلى انتهاك بنية النص التركيبية والدلالية، وقد أشار ابن قتيبة إلى هذا المعنى حين قال على لسان عبيد الله بن الحسن- وكان قاضيا على البصرة:«إن القرآن يدل على الاختلاف، فالقول بالقدر صحيح، وله أصل في الكتاب، والقول بالإجبار صحيح، وله أصل في الكتاب، ومن قال بهذا فهو مصيب، ومن قال بهذا فهو نصيب، لأن الآية الوحيدة ربما دلت على وجهين مختلفين واحتملت معنيين متضادين. وسئل يوما عن أهل القدر والإجبار، فقال كل مصيب، هؤلاء عظموا الله،وهؤلاء قوم نزهوا الله، وكذلك القول في الأسماء، فكل من سمى الزاني مؤمنا فقد أصاب ومن سماه كافرا فقد أصاب، ومن قال هو فاسق فقد أصاب، إن القرآن قد دل على كل هذه المعاني[3] »،من هنا نقول ,إن المطلوب الذي ينبغي التوجه إليه هو حراسة مدلولات النص ,والتنبه إلى محاولة تحريف معانيه″ لذلك فإن أي فهم واجتهاد من البشر له أن يمتد و يبصر ويبلغ من المعاني والدلالات والآفاق ما يبلغ بحسب تطور الزمان وتقدم الحياة الاجتماعية والحضارية , شريطة ألا يعود ذلك بالنقض أو الإلغاء على المرجعية ″[4] العليا.

    وبناء على ما سبق ,هل يمكن إطلاق لفظ التجديد على هده المعاني,هل نعتبر مختلف التأويلات تجديدا,بأي معنى يكون الخطاب القرآني متجددا.

    إن العناصر المنهجية التي توسل بها نصر حامد قصد تجديده للنص ترتبط بأساس نظري يتمثل في نظريتين’

    -الأولى : المادية الجدلية، وهي فلسفة ترتكز على التحليل الاجتماعي الاقتصادي للوقائع و الأفكار، وهذا ما يفسر تلك الحقيقة المنهجية "البديهية" التي ذكرها أبو زيد، وهي كون النص نتاج الواقع والثقافة، فقد ألح على صلاحية عنصر الجدل الذي قدمته الواقعية الاشتراكية لتفسير علاقة المفسر بالنص، على أن يتم تأسيس هذا الجدل على أساس مادي[5] .

    وأحسب أن إخضاع الوحي للتاريخ وربطه بالواقع في علاقة متلازمة "جدلية" من المؤشرات الدالة التي جعلت أبو زيد يعتمد على منهج التحليل اللغوي، واحتفائه بالنص "ككينونة مستقلة" لدراسة اختلافه عن النصوص الأخرى، وبهذه نضع أبو زيد« في سياق الألسنيات الحديثة التي أعلنت موت المؤلف، وأعرضت دون رجعة مستنكفة عن مقصوده[6] »، ومن ثم لا بد من إسقاط آليات أخرى للوصول إلى مقاصد جديدة. 

    • الثانية ,النظريات التأويلية:

    نشير إلى أن الدراسات الأدبية واللغوية قد تم عزلها عن التراث الإسلامي،مما أفسح المجال لدى دعاة التغريب على إسقاطها وتوظيفها في كل المجالات، حتى يتم قراءتها في ضوء وصيغ ومصطلحات المعرفة المعاصرة، إذ لا ضرر على القرآن في أن يدخل منطقة منجزات النظرية الجديدة.

    إن هده النظريات قد نشأت في الغرب في القرن الثامن عشر,وحولت مفهوم التأويل من مفهوم يتصل بالنصوص الدينية إلى علم تفسير كل النصوص ,ولكن هدا العلم ما لبث ان ظهرت فيه تيارات مختلفة,تنظر إلى النص المؤول بأراء متباينة,منها ما يربط عملية التأويل بالشروط اللغوية والتداولية المؤثرة فيه, ومنها ما يربطها بطبيعة المتلقي,و منها ما يجعل التأويل متحررا من أية شروط, وأن النص يحتمل كل التأويلات حتى المتناقضة منها.

    - أما نصر حامد، فقد أخذ من الاتجاهات التأويلية موقف كادامر[7] الذي يتميز عن غيره بربط الهيرمينوطيقا بالجدل، بشرط أن يتم تعديل هذه النظرية من خلال منظور مادي جدلي، ففي هذه الحالة تصير هذه النظرية«نقطة بدء أصيلة للنظر إلى علاقة المفسر بالنص، لا في النصوص الأدبية ونظرية الأدب فحسب، بل في إعادة النظر في تراثنا الديني حول تفسير القرآن منذ أقدم عصوره وحتى الآن، لنرى كيف اختلفت الرؤى، ومدى تأثير رؤية كل عصر من خلال ظروفه للنص القرآني[8]».

    - ولدعم المنهجية الثانية المتعلقة بمعرفة الدلالات، دعا نصر حامد إلى الاعتماد على أصل نظري آخر هو السيميوطيقا)نظرية الرموز والعلامات(، فكل جوانب التراث يمكن أن نعيد قراءتها على ضوء السيميوطيقا، أي أن نعتبرها رموزا وعلامات دالة.

    لم يجب نصر حامد على هده الأسئلة واكتفى بالقول’بأن النص قابل للقراءة على الدوام,وقابل من تم للشرح والتأويل, وهدا يتضمن فكرة مفادها أنالبنية الداخلية للنص القرآني تتمتع بدرجة هائلة من الخصوبة والغنى,تنفي إمكانية الادعاء في أية لحظة تاريخية بأن هدا النص قد استنفد محتواه أو تمت الإحاطة به معرفيا, وهدا صحيح,رغم أن لكل نص لغوي-سردي أفقا معرفيا وإيديولوجيا ,وأنه-مهما كان مطواعا- يظل محدودا بزمن إنتاجه ,وبأن كفاءته المعرفية والإيديولوجية تظل محدودة بأزمنة ثقافية معينة وبسياقات تاريخية واجتماعية معينة ,وهدا هو لب التردد والتيه الدي لم يجد له مخرجا,إننا بتعبير المفكرة هلين سيزو قد اصبحنا نعيش عصر تأجيل الرسالة واستبعادها

    - كذلك من بين النظريات التي استفاد منها أبو زيد على مستوى التوظيف المنهجي، ما أنتجته الدراسات المعاصرة حول النص أعني "نظرية البنيوية" التي جاءت لتضع حدا بين مرحلتين في فهم النص وتحديد دلالته، فقدمت تصورا مختلفا يبدو فيما يلي :

    *تنظر إلى النصوص باعتبارها تظل دائما مفتوحة وقابلة لاحتمالات دلالية مستمرة، و كل قراءة تكشف عن دلالة مختلفة، وهذا ما جعل القراءة تساهم في إعادة إنتاج النص مرة أخرى.

    *وإذا كانت النظرية التقليدية تنظر إلى الكاتب باعتباره صاحب السلطة العليا على النص، ودور القارئ يتحدد في البحث عن مقصود الكاتب ،فإن التصور البنيوي يطرح مفهوم "التناص"، ومعناه أن كل نص هو وليد تفاعل مع نصوص أخرى مختلفة شفاهية ومكتوبة، بل هو تفاعل مع أنظمة علامات غير لسانية أيضا[9] ، وبذلك صار« النص لانهائيا ومتعددا من زوايا مختلفة: دلالية وقراءة وعلاماتية، وبسبب هذا التعدد لا يمكن لأي قراءة أن تستنفده، لأنه مفتوح أبدا [10]».

    ومعلوم أن المناخ الذي ولدت فيه هذه النظرية، وطبيعة قراءتها للنص تنطلق من اعتبار النص إنتاجا يخضع وينسجم مع مقومات الثقافة التي ينتمي إليها.وهذه النظرة نجدها مثبوتة في النصوص الأدبية، ومنها تجاوزت لتمارس قراءتها ونقدها لنصوص دينية، مبررة جواز فعلها كما قال أبو زيد مدافعا«أليست النصوص الدينية ­ومنها القرآن­ نصوصا لغوية، ذات بنى سردية وتمثيلية ­قصصية وشعرية­ في المحل الأول؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل هناك منهجية أخرى سوى المنهجية النابعة من طبيعة النص؟»[11] ، وبهذه الخلفية فتحت الاتجاهات المعاصرة طريقها نحو نظرية "الهيرمنيوطيقا" لتمارس من خلالها قراءتها للدين إلى أن تشكلت كنظرية فلسفية حاكمة على كل نص تحت سلطة "الحق في التأويل"[12]«.

    يمكن القول: إن ما تم الكشف عنه من نظريات تأويلية يعطي صورة واضحة عن دعائم المشروع الفكري الذي يروم نصر حامد تحقيقه، كما يسلط الأضواء على بنية التفكير التي ينطلق منها، والتيار الذي ينتمي إليه.

    وبالجملة، تشكل هذه النظريات التأويلية الخلفية المعرفية الناظمة لتفكيره، والتي يهدف من خلالها تحقيق مقاصده وفق هذه الرؤية المؤطرة لمشروعه النقدي. ونحصر هذه المقاصد في الخطوط العريضة التالية:

    -إن القرآن نص لغوي تاريخي، ينتمي إلى الثقافة التي نزل وفق نظامها، فهو نص كباقي النصوص الأدبية الممتازة، بحكم طبيعته اللغوية، وليس وحيا مفارقا متعاليا عن الثقافة التي نزل في محيطها، بل إنه نتاج وثمرة لهذه الثقافة السائدة، لذلك فهو مستجيب لمعطياتها.

    - إن هناك علاقة مادية جدلية بين النص الواقع، وبين النص والقارئ، وبين القارئ والواقع الحاضر الذي يعيشه، والماضي الذي يقرأه، ودور النظرية التأويلية أن تستحضر ذلك كله.

    -إن الوعي العلمي بالتراث، أو القراءة الجديدة للدين، يتطلبان تجديد كل جوانبها على ضوء الدراسات الأدبية الجديدة، مع الانطلاق من مبادئ كلية تتلخص في" العقلانية والحرية والعدل"[13]

    .


    [1] - أبو حيان الأندلسي، البحر المحيط ، تح عادل أحمد عبد الموجود وآخرين، دار الكتب العالمية ،1993، ج 1، ص104
    [2] - مصطفى تاج الدين، النص القرآني ومشكل التأويل، (مرجع سابق ص17
    [3] - ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث ،دار الكتب العلمية، بيروت، ط3، (د.ت)،ص46-47
    [4] عبد الكريم حامدي,ضوابط فهم النص, كتاب الأمة,ع108,سنة 1426,ص21
    [5] - نصر حامد أبو زيد نفس المرجع،ص17و44
    [6] - حيدر حب الله ،الدرس القرآني وتجاذبات المناهج، الحياة الطيبة، ع13، السنة4، خريف 2003م 1424هـ ص145
    [7] - يعتبر كادامر من رواد الفلسفة التأويلية الألمانية، مارس تأثيرا قويا في الدراسات اللغوية والأدبية طوال فترة النصف الثاني من القرن الماضي،إذ إن مقولاته اللغوية والنقدية تركت بصماتها واضحة على الكثير من المواقف النقدية لأصحاب نظرية التلقي والتفكيك.انظر الخروج من التيه، )م.س(،ص55..
    [8] -نصر حامد أبو زيد إشكاليات القراءة وآليات التأويل، )مرجع سابق (،ص49.
    [9] - شفيق الجرادي، إشكالية العلاقة بين المنهج والنص الديني، الحياة الطيبة ،ع14، السنة4، شتاء2004-1425،ص58.  
    [10] - سعيد يقطين، من النص إلى النص المترابط ، عالم الفكر، المجلد 32،ع2، أكتوبر- ديسمبر 2003،ص78.
    [11] - نصر أبو زيد، الخطاب والتأويل،)م.س(ـص234.
    [12] - شفيق جرادي، مرجع سابق، 59-60.
    [13] - نصر حامد أبو زيد، الخطاب والتأويل، )م.س(،ص203 و 208.
    الإثنين, 28 كانون2/يناير 2013 12:20

    تعريف عام بالمعهد

    logo iiit

    المعهد العالمي للفكر الإسلامي مؤسسة فكرية علمية خيرية مستقلة، تعمل في ميدان الإصلاح الفكري والمعرفي، باعتبار ذلك واحداً من منطلقات المشروع الحضاري الإسلامي المعاصر، ويوجه خطابه إلى العلماء والمفكرين والباحثين وجمهور المثقفين للعمل على إصلاح الفكر والمنهجية الإسلامية على مستوى الأمة متجاوزاً حدود اللغة والإقليم.

     

     ويمثل المعهد منبراً متميزاً يعمل ضمن المنظور الإسلامي لتنفيذ مشروعات الأبحاث وعقد المؤتمرات والندوات، ونشر الكتب والدوريات العلمية المحكّمة. ويتعامل المعهد مع مصادر التراث الإسلامي والمعرفة الإنسانية المعاصرة؛ لبلورة تيار فكري إسلامي متميز، يمهّد لاستعادة قدرة الأمة على العطاء الحضاري، وتوجيه التقدم الإنساني.

     

     وقد أنشئ المعهد عام 1401ه )1981م(، وسُجّل في الولايات المتحدة الأمريكية، ومقره العام في )هيرندن( من ضواحي العاصمة الأمريكية واشنطن، وله فروع ومكاتب في عدد من العواصم العربية والإسلامية والعالمية، ويشرف على أعماله مجلس أمناء ينتخب من بين أعضائه رئيساً له بصورة دورية.

    ويهدف المعهد إلى: 

     

    1. بناء رؤية إسلامية شاملة، تستهدف بلورة نظام معرفي إسلامي ومنهجية إسلامية؛ لفهم الطبائع وإدراك الإمكانات والتحديات ومواكبة السقف المعرفي المعاصر، ولتقييم المعرفة المعاصرة، وإنتاج المعارف الجديدة. 

    2. تطوير منهجية للتعامل مع القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؛ لتنزيل هداية الوحي على الواقع وترشيد الطبائع. 

    3. تطوير منهجية للتعامل مع التراث الإسلامي والإنساني. 4.تطوير منهجية علمية لفهم واقع الأمة والعالم المعاصر؛ للتعامل معهما في ضوء مقاصد الإسلام، والمتاح من الوسائل والفرص ومواجهة التحديات الحضارية.

    5. بلورة منهجية تربوية قادرة عملياً على صياغة الشخصية الإسلامية الفاعلة القادرة على الأداء الحضاري الإسلامي.

    وللمعهد فروع ومكاتب في العديد من الدول. وقد عقد المعهد اتفاقات مع العديد من الهيئات العلمية والجامعات ومراكز البحوث الرسمية والخاصة في مختلف الأقطار لتحري أوجه العمل المشترك معها.

     

     

     

     

     

     

     

     

     

     

    نظم مركز الدراسات والبحوث العليا ومعهد العلاقات الدولية والإستراتيجية بالتعاون مع جمعية علماء الاجتماعيات المسلمين ببريطانيا يوم 14 أكتوبر 2012 بقاعة المحاضرات بالمركز الوطني للجيوش في الدائرة الثامنة بباريس ندوة تحت عنوان "هل يمكن أن يصبح الربيع العربي ربيعا إسلاميا وبأي معنى؟"

    وقد نُظمتْ الندوة احتفاء بحصول الدكتور انور ابراهيم على الجائزة التقديرية لجمعية علماء الاجتماعيات المسلمين ببريطانيا. وقد شارك فيها بالإضافة إلى الدكتور أنور إبراهيم سعادة السفير الفرنسي بيير لافرانس، المبعوث الخاص لليونسكو إلى أفغانستان، والدكتور أنس الشيخ علي رئيس جمعية علماء الاجتماعيات المسلمين ببريطانيا والدكتور شارل بيتيرلو أستاذ باحث بجامعة ماريلاند في الولايات المتحدة والدكتور بدي ابنو مدير مركز الدراسات والبحوث العليا والسيد دني سيفير مدير تحرير اسبوعية "بوليتيس" الفرنسية. وقد أدار الحوار الدكتور ديديي بيليون مدير أبحاث والمدير المساعد لمعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية.

    وقد كان الحضور الباريسي كثيفاً (اكتظت القاعة بحدود 180 شخص). وضم عدداً من الباحثين والشخصيات العلمية والسياسية والإعلامية.

    وقد أشاد الدكتور ديديي بيليون في تقديمه الافتتاحي للمشاركين في الندوة بمسار الدكتور انور ابراهيم. وأكد أن "هذه مناسبة نادرة نستمع فيها إلى مثقف ومناضل ورجل أكاديمي ورجل ميدان في نفس الوقت" و "هي فرصة نادرة أيضا لأن من عادتنا أن نستمع فيما يتعلق بما يسمى بالربيع العربي إلى محاضرين قادمين من العالم العربي وهو ولاشك أمر مهم. فضلا عن أنه أمر طبيعي بحكم القرب. ولكن لدينا هنا الفرصة للاستماع إلى محاور قادم من مكان آخر من العالم الإسلامي من ماليزيا، التي لا نعرف عنها الكثير لأنه بداهة لا يوجد نفس القرب الثقافي. وهو ما يجعل النظرة التحليلية للدكتور أنور ابراهيم أمرا ثمينا بالنسبة لنا، باعتبارها قد تكون أكثر تجردا تجاه جزء من العالم الاسلامي لا تصدر عنه مباشرة."

    أما الدكتور أنور ابراهيم فقد استهل مداخلته بعد شكر الهيئات المنظمة بأنه "سعيد أن أناقش انعكاسات وتداعيات الربيع العربي في أجزاء من العالم الاسلامي الواسع، أجزاء ليست هي التي يتم الحديث عنها عادة هنا كالعالم العربي وإفريقيا". وأضاف "هنالك نوع من التردد لأنه قيل ونوقش الكثير جداً بشأن الربيع العربي ـ أفضل عبارة الوعي العربي على عبارتي الربيع العربي والثورة العربية ـ عبارة الربيع جميلة ولكنها تحيل إلى فصل عابر. وليست دقيقة للتعبير عن العمل من أجل خلق ظاهرة مستقبلية مستديمة تجسد مؤسسات ديمقراطية وتجسد الحرية والعدالة. الوعي عبارة أكثر دقة."

    ثم عاد الدكتور أنور ليذكر ببدايات الثورات وحالة الحماس العارم التي أثمرها نجاح الحراك التونسي في إسقاط الدكتاتور بن علي والحراك المصري في إسقاط الدكتاتور مبارك. "كان كل نظام يصر أن ما يحدث "هناك يختلف وأن نظامه يختلف". وضرب على ذلك مثالا بأن القذافي قال بعد سقوط مبارك "حالتنا تختلف عن بقية العرب" ورئيس الوزراء الماليزي علق على سقوط بن علي ومبارك والقذافي "ماليزيا تختلف." وخلص الدكتور أنور إلى أن "الطاقة والكثافة اللتين عرفتهما هذه الظاهرة هما بمستوى من القوة يجعلها ظاهرة على المستوى العالمي." ذلك "أن جوهر الحرية والديمقراطية، جوهر العدالة أمر لا ينتمي لا إلى الغرب ولا إلى الشرق، هو جوهر يمثل طموحا إنسانيا مشتركا." ليضيف في الأخير: "الشعوب الإسلامية انتظرت كثيرا وملت "انتظار غودو" كما في رواية صمويل بيكيت الشهيرة. وقد قررتْ أن تنزل إلى الميدان لتحقق كرامتها وحريتها بنفسها ولتعمل على تحقيق طموحها إلى العدل."

    وقد عرفت الندوة حواراً ثرياً بين المتدخلين، السفير بيير لافرانس والسيد دني سيفير والدكتور بدي ابنو، وبين الجمهور ثم كان تعقيب الدكتور أنور ابراهيم. أما الجزء الأخير من الندوة فتميز بكلمة للدكتور شارل بيتيرلو عرف فيها بجهود جمعية علماء الاجتماعيات المسلمين في بريطانيا، تلتها كلمة للدكتور أنس عن تاريخ جائزة الجمعية مشفعة بعرض مصور.

    وكان الختام بتقديم الدكتور أنس الشيخ علي جائزة جمعية علماء الاجتماعيات المسلمين ببريطانيا للدكتور أنور ابراهيم وقد حيى الجمهور تسليم الجائزة بتصفيق حار.

     

     

     

    أخر الاصدارات

    البث الحي

    ALBAT AL HAY