24 شباط/فبراير 2018
RSS Facebook Twitter youtube 16
الإثنين, 14 آذار/مارس 2016 15:01

الشيخ طه جابر العلواني في ذمة الله (بقلم د. فتحي حسن ملكاوي)

الكاتب 
قيم هذه المقالة
(0 أصوات)

الشيخ طه جابر العلواني في ذمة الله

بقلم د. فتحي حسن ملكاوي

 

taha par fathi

كان من أقدار الله سبحانه أن يولد الشيخ طه جابر العلواني يوم 4 مارس (آذار) عام 1935م وأن يتوفاه الله سبحانه في اليوم نفسه من عام 2016 (1437ه). ولد في الفلوجة في العراق. وتوفي وهو في الطائرة أثناء نقله من القاهرة إلى واشنطن. نسأل الله أن يعفو عنه ويغفر له ويكرم نزله. ويلهم ولده الدكتور أحمد، وابنتيه الدكتورة زينت والدكتور رقية، وسائر أهله وأحفاده وزملائه وتلاميذه وأسرة المعهد العالمي للفكر الإسلامي جميل الصبر وحسن العزاء.

ونحن نعد التنويه بفضل العلماء والتعريف بعلمهم وجهودهم واجب لا بد من أدائه، لأنّ من حقِّ الأجيال الجديدة من أبناء الأمة أن يعرفوا فضل علمائهم، حتى لو كان هذا التنويه والتعريف لا يصل إلى مستوى الكفاية.

تتلمذ الشيخ طه على كبار علماء العراق في أربعينيات القردن الماضي حتى الثانوية الشرعية ثم واصل دراسته في الأزهر الشريف حتى الدكتوراه في أصول الفقه.

ومارس التعليم الشرعي والوعظ والخطابة والكتابة منذ مطلع الخمسينات من القرن الماضي. ونظراً لمعارضته الجريئة لنظام حزب البعث فقد اضطر لمغادرة العراق عام 1969. عين بعد حصوله على الدكتوراه مدرساً في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، وبقي فيها عشر سنوات، ثم قرر الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية للتفرغ مع مجموعة من زملائه للعمل الفكري ضمن برامج المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وكان عضواً مؤسساً لمجلس أمناء المعهد منذ نشأته، كما رأس المعهد  من عام 1988إلى 1996.

مارس الكثير من النشاطات العلمية والفكرية الإسلامية، وعمل عضواً في كثير من المجامع العلمية الدولية والمحلية، فكان عضواً مؤسساً في رابطة العالم الإسلامي، وعضواً في المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية في الأردن، وعضواً في مجمع الفقه الإسلامي الدولي في جدة، والرئيس المؤسس لمجلس الفقه الإسلامي في أمريكا الشمالية، ورئيس التحرير المؤسس لمجلة إسلامية المعرفة، والرئيس المؤسس لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في فيرجينيا، وشغل منصب أول أستاذ كرسي للبرنامج المشترك في الدراسات الإسلامية الذي تقدمه عشر جامعات أمريكية في منطقة واشنطن العاصمة. وغير ذلك كثير.

من أبرز ما عرفته فيه طيلة صلتي الوثيقة به منذ عام 1979م حرصه على التعليم والتعلم، ففي مجال التعليم فإنه لم ينقطع عن تقديم الدروس والحلقات والدورات التدريبية الشرعية في منزله، على الرغم من مرضه المقعد في السنوات الأخيرة. وفي مجال التعلم، فإنه يحب أن يعرِّف نفسه بأنه طالب علم، يرغب أن لا يقف في علمه وفكره على تخصص محدد، ويحرص على أية مناسبة تتاح له ليزداد علماً، سواءً في قراءاته أو مناقشاته أو زياراته أو في مجالس العلم التي يعقدها. فكان دائم النمو والتطوير في صياغة أفكاره وتوضيحها وإعادة النظر فيها، من خلال مرجعية ثابتة تنهل من القرآن الكريم بوصفه المصدر المنشئ للعلم والفكر، ومن السنة النبوية الشريفة بوصفها المصدر المبين للقرآن الكريم.

تنقل في اهتماماته وكتاباته العلمية من التخصص الأكاديمي في أصول الفقه، إلى فقه الأقليات، والأديان المقارنة، والسنة النبوية، وقضايا الفكر الإسلامي المعاصر، وتفرغ في السنوات الأخيرة لتدبر القرآن الكريم ونشر فيه حوالي عشرة كتب، وتحت الطبع ثمانية كتب أخرى.

للشيخ طه العلواني حافظة وذاكرة، تلمسها في سهولة حضور النص من القرآن الكريم أو الحديث أو مقولات الفقهاء، مع قدر ملموس من التوثيق. لكن مسؤوليات العمل في المعهد أتاحت له فرصاً واسعة للاطلاع على ألوان من الثقافة والخبرة وأنماط التفكير، ولاستكشاف التحديات التي على المفكر الإسلامي المعاصر أن يواجهها. فالعمل في المعهد كان يعني حواراً متصلاً مع زملائه، ويعني الإقامة في الولايات المتحدة، وحضور الكثير من النشاطات العلمية، والحوار من الضيوف المسلمين وغير المسلمين الذي كانوا يحضرون نشاطات المعهد، وزيارات متكررة لعدد كبير من الدول، وقراءة كل ما يرد إلى المعهد لأغراض النشر، وكتابة مقدمات للكتب التي تنشر… فضلاً عن عضويته لكثير من المجامع الفقهية والعلمية، أتاح له كل ذلك فرصاً للنمو وسعة الأفق.

نستطيع أن نعرفب بالشيخ العلواني قبل مغادرته العراق عام 1969، بأنه فقيه، وواعظ، وناشط، وطموح… ثم هو أستاذ جامعي بعد حصوله على الدكتوراه عام 1973، وعمله في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، أستاذ جامعي متخصص في أصول الفقه. ثم هو بعد التحاقه بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي، عالم ومفكر ومصلح.

وربما كان التحاقه بمجموعة المعهد حدثاً مهماً ليس له فحسب وإنما للمجموعة نفسها، فعندما يروي الدكتور عبد الحميد أبو سليمان تاريخ تكوين هذه المجموعة ونشأة المعهد، يصف انضمام الدكتور طه العلواني إليها، بأنه استكمال للبعد الشرعي في المجموعة. وتصف الدكتورة نادية مصطفى دور الدكتور العلواني في توجيه فرق البحث في مكتب المعهد بالقاهرة، منذ عام 1986م، بأنه نقل فريق مشروع العلاقات الدولية من ميدان العلم الأكاديمي الغربي، إلى عالم الفكر السياسي الإسلامي، ورؤية إسلامية للعالم، قادت خطى الفريق ولا تزال حتى اليوم. وقد يكون من الإنصاف أن نؤكد أنه ليس من السهل فصل إسهامات أي عضو من فريق المعهد عن مجمل إسهامات الفريق، نظراً لأن النظام المؤسسي كان يحكم إدارة العمل في المعهد، ولأن الحوار المتواصل بين أعضاء الفريق وتبادل الخبرات فيما بينهم، من جهة؛ وحواراتهم مع الكثير من رجال العلم والفكر والحركة، من جهة أخرى، قد شكل رؤية مشتركة تتصف بالتكامل واالنضخ والغنى، من جهة أخرى. ومع ذلك فليس من السهل إغفال النظر في البصمة الشخصية لكل عضو في الفريق.

وربما يبدأ حضور الشيخ طه وخبرته في نشاطات مجموعة المعهد، بصورة واضحة، منذ مشاركته في مؤتمر لوجانو عام 1977م، بحضور ثلاثين من العلماء والمفكرين من أنحاء العالم الإسلامي، وقرار المؤتمر المذكور القاضي بإنشاء المعهد في الولايات المتحدة الأمريكية، والاستعداد للتفرغ للعمل الإسلامي الفكري في المعهد.

ولا شك في أن اجتماع المجموعة في مكان واحد في مقر المعهد بولاية فيرجينيا الأمريكية، اعتباراً من عام 1984، بحضور الكفاءات والخبرات والشخصيات المتنوعة كانت مصدراً غنياً لوضع كل ما امتلكه الشيخ طه من علم وخبرة في سياق جديد يتصف بأفق إسلامي عالمي ومواجهة مباشرة مع تحديات الفكر الغربي، ومهمة تجديدية في إصلاح الفكر والعلم. ففي هذا الاجتماع سوف نجد الشهيد الدكتور إسماعيل الفاروقي يقدم خبرة غنية في التعليم الجامعي في أمريكا في مجالات الفلسفة والأديان المقارنة، وسوف نجد الدكتور عبد الحميد أبو سليمان يقدم خبرة أكاديمية متميزة في العلاقات الدولية، ورؤية نقدية للفكر الإسلامي ومسيرته في التاريخ، وسوف نجد مجموعة المهندسين الثلاثة، المرحوم الدكتور جمال برزنجي، والدكتور هشام الطالب، والدكتور أحمد توتونجي، بما اكتسبوه من العقلية العلمية والعملية، والتفكير الاستراتيجي، والتجارب الإدارية والتنظيمية، والخبرة الطويلة في بناء المؤسسات وضمان استمرارها واستقلالها،… فمن الممكن أن نقول إن العقلية الفقهية والأصولية عند الشيخ طه قد تفاعلت مع هذه البيئة فأخذت الكثير، وأعطت الكثير.

وتبدأ مرحلة مميزة في إسهامات الشيخ طه عندما تقرر أن يتفرغ الدكتور عبد الحميد أبو سليمان لإدارة الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا، ويتفرغ الدكتور طه العلواني لرئاسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي في فيرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية، اعتباراً من عام 1988، وهي الفترة التي توثقت علاقتي الشخصية والإدارية به، فرافقته في السفر والحضر، وأشركني في الأعمال العلمية والإدارية، فرأيت فيه بحق مدرسة في الأدب والخلق والتواضع، وعندما انتهت رئاسته للمعهد وتفرغ لإنشاء جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية وإدارتها، عام 1996م، وقدر الله أن تكون إقامتي في الولايات المتحدة قريباً من إقامته، وأشركني في التخطيط لبرامج الجامعة، وكان عملي في المعهد يتم بمشورته وينهل من حكمته، فكان أكثر ما رأيت منه  هو “فقه الواقع” والاجتهاد في تكييف الموقف الشرعي الذي يحقق مقاصد الإسلام في ذلك الواقع. وكان من إدراكه لهذا الفقه تأسيسه للمجلس الفقهي الإسلامي لأمريكا الشمالية ورئاسته له، وتطوير رؤية متقدمة لفقه الأقليات، وهو فقه يصعب أن يتقنه من لم يعايش الأقليات ويعاني ما تعانيه.

وكان مما رأيته كذلك حرصه على استشارة أهل العلم ممن قد يكون لهم صلة بالقضية التي تعرض للفتوى. دون أن ينسى كذلك استشارة علماء الأمة في مواطنهم المختلفة في المجتمعات الإسلامية ومجتمعات الأقليات المسلمة. فكانت فتواه أقرب ما تكون إلى الاجتهاد الجماعي.

هذا الحرص على استكمال معطيات العلم اللازمة لبيان الحكم الشرعي، كان يوازيه كذلك صفة قد لا تتوفر في العلماء إلا نادراً، وهي الجرأة في الجهر بالرأي النقدي والاجتهاد في إعادة تكييف ما بعض ما استقر عليه علم العلماء في التخصصات الشرعية، سواءً في تفسير النصوص وربطها بسياقاتها الزمانية والمكانية، أو في إعادة فهم الحكم الفقهي المدون في ضوء حاكمية القرآن وهيمنته.

كثيراً ما كان الشيخ طه يروي مواقف حوارية مع بعض العلماء من أساتذته وزملائه حول آرائهم النقدية لبعض الأحكام والفتاوي المستقرة، واعترافهم بعدم توفر الجرأة لديهم على البوح بآرائهم خوفاً من تبعات الخروج على المألوف، ومن هذه المواقف ما كان يتناوله هؤلاء العلماء من روايات يعود بعضها إلى عهد الصحابة رضي الله عنهم، ثم مَنْ بَعدهم من العلماء عبر القرون. لقد كان تحفّظ هؤلاء العلماء في عدم الجهر بآرائهم إيثاراً للسلامة وخشية التورط في سجالات مع المحافظين من أهل العلم، وتحسباً مما قد يثيره التصريح بآرائهم من فتنة. والشيخ العلواني حين يروي مواقف هؤلاء العلماء، يتمثل عبارة ابن تيمية في “رفع الملام على الأئمة الأعلام”. فهو مع أنه يعذرهم فيما ارتضوه لأنفسهم، فإنه يملك الجرأة أن يصرح هو برأيه المخالف، وينشره محتفاً بالشواهد والأدلة.

وكثيراً ما كنت أحاوره في مسألة الجرأة هذه، فيستفيض في إجابته ألماً وحسرة على واقع الأمة، فيرى أن المسألة هي باختصار بيان ما يراه حقاً وعدم الخشية من الناس، ويتذكر قوله سبحانه “الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه، ولا يخشون أحداً إلا الله وكفي بالله حسيبا.” (الأحزاب: ٣٩)  فخشية الناس هي التي افقدت الفكر والفقه الحيوية، والحركة مع القرآن والحياة، وولّدت حالة الجمود والتقليد وتقديس التراث، وما نتج عن ذلك من تخلف المجتمعات الإسلامية عن مكانة الخيرة والوسطية وموقع القيادة والريادة.

ومن مسوغات هذه الجرأة المطلوبة في نظر الشيخ هي تأكيد المرجعية العليا للقرآن الكريم بما يتصف به وما يلزم الأمة أن تؤمن به من حاكمية القرآن وهيمنته. فالقرآن الكريم عند العلواني لا يقف عند كونه مصدر هداية عامة، وإنما هو قبل ذلك وبعده، المصدر المنشئ للأحكام والأفكار والعلوم، وليس في ذلك افتئاتاً على السنة النبوية لأنها هي البيان الملزم لتنزيل هي القرآن الكريم وأحكامه. وأن جزءاً كبيراً من الإشكالات التي يعاني منها التراث الإسلامي، إنما جاءت نتيجة غياب التفكر والتدبر للقرآن الكريم. وإيثار روايات السلف على محكم القرآن المجيد.

والمشكلة الكبرى التي كانت تؤلم الشيخ العلواني من ردود الفعل على اجتهاداته النقدية، هي مواقف بعض من يعتبرون أنفسهم من أهل العلم الشرعي، فلا يناقشون القضية التي هي موضع الاجتهاد، ولا ينظرون إلى ما كتبه الشيخ العلواني، وإنما يلجأون إلى مناقشة أشخاص آخرين  عرفت منهم وعنهم مواقف الشذوذ، فيوحون للقارئ بأن الشيخ العلواني واحد من هؤلاء، مع علمهم بنصوص الشيخ العلواني الناقدة لهؤلاء والمعارضة لهم جملة وتفصيلاً.

وكان على أهل العلم الناقدين للشيخ العلواني أن يتذكروا أن ما يأتي به هو مسائل اجتهادية، وأن يتذكروا مقولة العلماء الذي يرغبون في الانتساب لهم: “العصبية في المسائل الاجتهادية مجرد أهواء يمنع عنها العلم” ، ويتذكروا قولهم: “من أنكر شيئًا من مسائل الاجتهاد، فلجهله بمقام المجتهدين وعدم علمه بأنهم أسهروا أجفانهم، وبذلوا جهدهم ونفائس أوقاتهم في طلب الحق، وهم مأجورون لا محالة أخطأوا أو أصابوا، ومتبعهم ناج، لأن الله شرع لكل منهم ما أداه إليه اجتهاده، وجعله شرعًا مقررًا في نفس الأمر.”

إن ما وصلني من مئات الرسائل والاتصالات من التعزية بالشيخ تذكيراً بفضله وعلمه، إنما يذكرني ببيت من الشعر كان الفخر الرازي يكثر من ترداده:

المرء مـادام حيـاً يستهـان بـه * ويعظم الرزء فيه حين يفتقد

نسأل الله أن يجزي  الشيخ طه العلواني على ما قدم، وأن يبارك فيما ورَّثه من علم، وخلّفه من ذرية طيبة.

و”إنا لله وإنا إليه راجعون”.

Read 2324 times

أضف تعليق


كود امني
تحديث

أخر الاصدارات

البث الحي

ALBAT AL HAY