18 تشرين1/أكتوير 2018
RSS Facebook Twitter youtube 16
قيم هذه المقالة
(0 أصوات)
الرؤية التكاملية لخطوات العمل العلمي

 

 

د. فتحي ملكاوي

الرؤية التكاملية لخطوات العمل العلمي: الوصف والتفسير والتنبؤ والتحكم يحتاج الفهم العلمي لأية ظاهرة طبيعية أو اجتماعية، إلىالمرور بخطوات محددة كل منها يحدد هدفاً من أهداف العمل العلمي، وهذه الخطوات: هيالفهم، والتفسير، والتنبؤ، والتحكم. ومع أنّ السؤال المـُلِحَّ يقع في كثير منالأحيان في الخطوة الثالثة، فإنَّه ليس من السهل القفز إليها دون المروربالمرحلتين السابقتين، ودون الإشارة إلى تقتضيه الضرورات في المرحلة اللاحقة.

إن عملية الوصف هي تقرير عن حدوث الأحداث ووقوع الوقائعفي الزمان والمكان والكيفية والكمية...، كما يصفها المشاهد، نيتجة لمشاهدته وفهمهلما يشاهده. وقد يكون الوصف وصفاً إجمالياً لا يتضمن الكثير من البيانات والحقائق،وقد يكون وصفاً تفصيلياً يكسبه درجة من الصدق في التعبير الكيفي والتقدير الكمي.والناس بطبيعة الحال يتفاوتون في وصف ما يشاهدونه، فالحدث الواحد يشاهده كثير منالناس، ولو سألت عدداً منهم أن يصفوا ما حدث فربما يأتي الوصف بطرق متعددة قد تصلإلى عدد الواصفين. ذلك أن الناس تنصرف اهتماماتهم إلى جوانب مختلفة من الحدث، فوصف مظاهرة مثلاً قد يكون اللافت للنظر فيها حدوثها وحسب، لأنَّها كانت في سياقهاأمراً غير مألوف أو غير مسموح به، وقد يكون اللافت عند أحد المراقبين عددالمتظاهرين، وقد يكون عند آخر صيغ العبارات التي يهتف بها المتظاهرون أو الأعلامالتي يرفعونها، وقد يلفت نظر بعضهم الوقت الذي تحدث فيه المظاهرة، والمكان الذيتحدث فيه، وقد يكون اللافت نوعية المتظاهرين من الشباب الذكور أو من الجنسين...إلخ. وهناك مراقبون يهتمون برصد عدد قليل أو كثير من عناصر المشاهدة المذكورة.وإذا كان المحلل السياسي سوف يعتمد على مقابلة عدد من شاهدي العيان، فسوف يجد أنوصف الحدث لا يقترب من الوضوع والكمال إلا بما يقدمه كل منهم من الزاوية التيشاهدها والجوانب اللافتة لنظره. 

وإذا كان الوصف يختص بذكر الحقائق والوقائع كما هي، علىصورة سجل وثائقي للعناصر التي تصف حادثة معينة، دون أن يكون لكل عنصر بمفرده أهميةظاهرة، فإنَّ العوامل التي أدت إلى وقوع الحادثة والأسباب التي قادت إليها، تجعلللحادثة من المعاني والدلالات ما يولِّد لدينا فهماً للحادثة ويعطي لكل عنصر منعناصر الوصف أهميته التي يستحقها، ويبين موقع ذلك العنصر في هذا الفهم، وهذه هيالخطوة الثانية من العمل العلمي؛ أي التفسير. والتفسير عادة يتم في إطار شبكة منالعلاقات السببية بين الأمور الحادثة، ويربط بين عدد من القوانين والمبادئ الوصفية،لصياغة ما يسمى بالنظرية. والنظرية هي إنشاء ذهني وتفكير تأملي، النظرية من النظر،وهي تقابل الوصف الحسي وتحديد الصفات والخصائص المشاهدة، كماً وكيفاً. والتفكير فيالنظرية يقابل القيام بالفعل والأداء العملي. والنظرية تركيب كلي للمعرفة يقابلالحقائق والمعارف الجزئية. والنظرية تفسير يحتمل الصحة والخطأ... إلخ. والنظريةعند ابن منظور ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم، أو طلبعلم عن علم. ولذلك فإنَّ قيمة النظرية هي بما تولده من تقدير لمآلات الواقع القائمباتجاه الحالة القادمة في المستقبل، وهذا هو ما يسمى التنبؤ. 

إن الحديث عن المستقبل والتنبؤ بما يمكن أن يحصل فيه ليسافتئاتاً على الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وليس كهانة ممقوتة أو عرافة مذمومة،ولكنَّه شأنٌ فطري، واستنتاجٌ عقلي، وواجب شرعي، وضروة حضارية. هو شأن فطري؛ فمايقوم الإنسان بعمل إلا وهو يتوقع نتائج محددة يحسب حسابها، فيحسن الحساب، أو يخطئفيه. وهو استنتاج عقلي؛ يقوم على ربط النتائج المتوقعة بالأسباب التي تؤدي إليها،واستشرافٌ لمآلات الأمور، مبنيّ ملاحظة الثبات في الطبائع، وانتظام حدوث الوقائع،وتكون الملاحظة في تسلسل الأحداث،وترابطها، كما تكون في دقة الحساب العددي والتقدير الكمي. وهو واجب شرعي؛ يوجب علىالإنسان الاستعداد لما يكون في الغد القريب والبعيد من أيام الدنيا، والغد الآتيلا محالة بعد انقضاء أيامها. وهو ضرورة حضارية، تتطلبه إدارة شؤون الحياة للفردوالمجتمع وتيسير سبلها، وضمان تحقيق التطوير والتقدم وقيام العمران البشري. 

بعض ما يمكن أن يتوقعه الناس يكون حدوثه أقرب إلىاليقين، وبعضه يقوم على غلبة الظن، وبعضه على درجات متفاوتة من الاحتمال، وفي كلالحالات، فإنَّ الإنسان المؤمن يعلم أنّالله سبحانه يقدِّر الأمور بعلمه وإرادته، وحسب السنن 
التي جعلها في خلقه، ودعاالناس إلى اكتشافها، والاعتبار بها، والاستعداد لها.

أما التحكم فهو القيام بإحداث ما هو مرغوب فيه، أو القيامبمنع حدوث ما ليس
مرغوباً فيه. وفي حال عدم القدرة على القيام بأي منهما، فيكونالتحكم هو الاستعداد لما هو قادم، إما بتوجيه ما يتوقع حدوثه لمصلحة يمكن أنتتحقق، أو للوقاية من ضرر يمكن أن يقع. فالمطر يهطل دون القدرة على التحكم في وقتهطوله أو في كمية الهطول. وهذا الهطول أماأن يكون مرغوباً فيه، فيلزم الاستعداد للاستفادة منه بتهيئة الأرض الزراعية، وبناءالسدود، وحفر آبار الجمع، وبناء شبكات صرف مياة الأمطار وتوجيهها، وفير ذلك،وللوقاية منه باختيار نوع الملابس، أو أوقات الخروج من المنزل أو المكتب أو السفر،وإعداد المركبات، وغير ذلك.

ومع أن هذا المثل من الأحداث والظواهر الطبيعية، يجعلأفعال التحكم المشار إليها من بدهيات الأمور، التي اكتسبها الإنسان بالخبرةالعملية على مدى القرون، فإنّ الأحداث السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعيةالمتوقع حدوثها تجعل أفعال التحكم فيها أكثر تعقيداً. فهذا النوع من الأحداث لايكون حدوثه بالصورة المتوقعة أمراً حتمياً، ولا يشترط عند حدوثه أن يتم بنفسالطريقة، والجهد المطلوب للقيام بإحداث ما هو مرغوب فيه، أو للقيام بمنع حدوث غيرالمرغوب فيه، هو الأولى بالاهتمام، حتى إذا حدث ما كان متوقعاً، أصبح موضوعالاهتمام هو معالجة نتائجه باستثمارها إيجابياً، أو إزالة آثار هذه النتائج أوالتخفيف منها السلبية قدر الإمكان.

خطوة التحكم هذه ليست هي الخطوة الأخيرة التي لا يكونالقيام بها إلا بعد المرور بالخطوات السابقة، فهي جزء من العمل العلمي من بدايتهإلى نهايته، فهذه الخطوة مثلاً تتصل بالعناصر الأساسية لأي مشروع سواءً كان فكرياًأو عملياً. وهي العناصر هي: التخطيط والتنفيذ والتقويم. فالتخطيط هو التصورالمستقبلي وتحديد متطلبات النجاح اللازمة للتنفيذ. والتنفيذ هو وضع الخطة موضعالعمل، وفي أثناء ذلك تتبين قيمة التخطيط ومدى ملاءمته، وقد يلزم التغيير وإعادةالبرمجة لبعض عناصر الخطة. أما التقويم فهو مراجعة مستمرة لكل خطوة من خطوات العملفي مرحلة التخطيط والتنفيذ، لضبط المسار وإصلاح الخلل وإجراء التعديل حيث يلزم،لكن المراجعة النهائية بعد اكتمال التنفيذ، هي أساس لتخطيط جديد لمرحلة تالية،فالتفكير المستقبلي لا يقف عند لحظة معينة إلا ليفكر في اللحظة التالية لها.

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

أخر الاصدارات

البث الحي

ALBAT AL HAY