24 تشرين1/أكتوير 2018
RSS Facebook Twitter youtube 16
قيم هذه المقالة
(0 أصوات)

د. فتحي ملكاوي

مفهوم"الانتماء" في الفكر الإسلامي مفهوم مفتاحي. وكان "الفقه"بمعنى الفهم العميق للموضوع هو ما نحتاج إليه في كل حين، و"الانتماء إلىالمجتمع والأمة" تعبير إجمالي عن الدوائر التي يلزم أن يعالج مفهوم الانتماءضمنها، وكان الفكر الإسلامي هو الإطار المرجعي لأي حديث أو بحث في هذ الموضوع.

عندما يعرض الموضوعللبحث ليس غريباً أن تثار فيه قضايا متعددة ومتشابكة، بدءاً من سؤال: "مايعنى انتمائي إلى الإسلام" على المستوى الفردي، ومروراً بدوائر الانتماء إلىالأسرة والقبيلة والمجتمع والأمة والإنسانية، وانتهاءً بقضايا هوية المجتمع،ومفهوم المواطنة وعلاقات السلم والحرب بين الدول. وليس غريباً كذلك أن يتناولالباحثون في معالجاتهم عوامل بناء الانتماء ومعيقاته في المجتمعات الإسلاميةالحديثة.

إنّ لافتة"الانتماء" حاضرة دائماً في كل مجتمع لكنها ترتفع بين الحين والآخربصورة ملحّة، وبخاصّة في عهود التحولات السياسية والاجتماعية التي تمر بالمجتمعات.فالمؤسسات والشخصيات التي تكون في موقع الحكم والمسؤولية، تطالب الأفراد المحتجينوالفئات المعارضة بعدم إعاقة مسيرة الحياة العادية وتضييع الجهود، من باب الولاءوالانتماء إلى النظام والدولة. والفئات التي تمارس حقها في المعارضة، ربما ترفعصوتها بالاحتجاج على ممارسات الحكم، داعية إلى ضرورة الإصلاح ومحاربة الفساد،وتقوم هذه الفئات المعارضة بذلك من باب الولاء والانتماء للوطن والمجتمع كذلك.

وهكذا فالانتماء كمايبدو مفهوم إيجابي محبب إلى الجميع، فالكلُّ يدعو إليه، ويدّعي وصلاً به، ويمارسما يمارسه من أعمال وَفقاً له، وفي كثير من الأحيان تنزع الفئات المعارضة صفةالانتماء عمن تعارضه أو يعارضها.

لكن هل يكفي أن يكونالانتماء شعاراً سياسياً ترفعه فئة، أو تنافسها في رفعه فئة أخرى؟

قد لا تكون هناكضرورة لتعريف الانتماء، وقد لا يلزم أن يقدم هذا المؤتمر تعريفاً جامعاً مانعاًحتى لو أمكن ذلك. فالانتماء ينمُّ عن مشاعر يعرفها الفرد الإنساني الذي ينتسب إلىأسرته وقبيلته ومجتمعه، وتعرفها الفئات التي يتكون منها المجتمع، وتعرفهاالمجتمعات التي تنتمي إلى أمة على أساس العرق أو اللغة أو الدين، ويعرفها جميعالبشر بانتسابهم إلى أبي البشر آدم عليه السلام. ومع ذلك فإن مشاعر الانتماء هذهتختلط دلالاتها وحدودها في بعض مراحل التغير التي يمر بها المجتمع، أو في بعضمراحل النمو التي يمر بها الفرد.

عهدنا في شبابنا منيقول لنا، ليس ثمة انتماء عند الفرد المسلم إلا إلى الإسلام،  فلا انتماء لوطن، ولا انتماء لعشيرة، ولاانتماء حتى لأسرة، فالانتماء هو إلى الإسلام ومن الإسلام وحده وعلى أساس أحكامهيكون الانتساب إلى الوطن أو العشيرة أو الأسرة. وحفظنا من بين ما حفظنا قولالقائل:

أبي الإسلام، لا أب لي سواه       إذاافتخروا بقيس أو تميم

وحفظنا من بين حفظنا أبيات إقبال:

الدين لنا والعرب لنا               والهند لنا والكل لنا

أضحى الإسلام لناديناً           وجميعالكون لنا وطنا

الانتماء إلى الإسلام عند الفرد هو النطق بالشهادتينوالإيمان بفرضية الأركان الأخرى، الصلاة والصيام والزكاة والحج، لكن كيف يكونالانتماء لدى الفرد الذي ينطق بالشهادتين ثم لا يؤمن بالأركان الأخرى أو يؤمن بهاولا يؤديها؟

وانتماء المجتمع إلىالإسلام ربما يكون بعدد أفراده الذين يؤمنون بالإسلام، ولكن كيف يكون انتماء المجتمع إلى الإسلام، وهو لا يطبق أحكامالإسلام في شؤون الحياة؟ وما علاقة هذا المجتمع بما سمي في بعض مراحل التاريخ بدارالإسلام ودار الحرب ودار العهد، أو أمة الدعوة وأمة الاستجابة...؟

إن الرؤية الوجوديةالتوحيدية وكفاءتها النظرية في تتبع مشكلات الواقع البشري، وحلها نظرياً وعملياًيسهم في تأسيس الانتماء للأمة على اعتبار فطري واحد، يبدأ من الانتساب لأبي البشرآدم عليه السلام، وهذا ما يمنح البشر فرص اللقاء حتى في حال الصدام والصراع، من أجلالتعارف والتفاهم والتعاون. وحين يكون الإنسان خليفة الله سبحانه في كل مكانوزمان، فإنَّ ذلك يدفع خصائصه التكوينية لتفصح عن مكنوناتها بشمول الجميع، فيتحركالوجدان السامي، وينشأ السلوك النبيل، وتتأسس الإنسانية الراقية التي تترفع عنالصراع وتسعى للتعاون والتكامل في تحقيق المصالح المشتركة للجميع.

ثمة ضرورة ملحة لترسيخ مفهوم الانتماء إلى المجتمع والأمة، وتفعيل قيمةالانتماء من أجل تعزيز الدور الحضاري للمجتمع والأمة في تحقيق أمانة الاستخلاف،وتوضيح دوائر الانتماء وبيان صور التكامل فيما بينها، وتشخيص معيقات الانتماء إلىالمجتمع والأمة، ومحاولة تقديم البرامج والخطط التي تعمل على تنمية قيمة الانتماءإلى المجتمع والأمة.

وفي الظروف الراهنة التي تمر بها المجتمعات العربية على وجه الخصوص، يكونللحديث عن الانتماء أهمية خاصة، ولعل الدراسة العميقة والمستنيرة لقضايا الانتماءتكون حافزاً على التخطيط والبرمجة لترشيد الحراك السياسي والاجتماعي، وتوجيهه نحوالقضايا الكبرى للتحول والتغيّر في المجتمعات العربية وتأصيل هذه القضايا. ومعالجةالمشكلات التي تتمثل في انحصار مفهوم الانتماء في الأطر القطرية والطائفيةوالعرقية، والضعف الظاهر في مؤشرات الانتماء إلى المجتمع وإلى الأمة.

ومع ذلك فإنّ ثَمَّة دواع أخرى تزيد من أهمية الحديث عن الانتماء في بعضمجتمعاتنا العربية، ومن بعض هذه الدواعي ملاحظة التزايد في حوادث العنف المجتمعي،والتفكك الأسري، والتفاوت المعيشي، والاستبداد السياسي، والفساد المالي، والترهلالإداري، فضلاً عن تزايد وتيرة الصراع الطائفي والعرقي والمذهبي. وفي الوقت الذييرتفع فيه مستوى الانتماء إلى المجتمع من خلال التنافس أفراد المجتمع وفئاته فيترقية مستويات الأداء في القيام بالواجب في مجالات العمل، وتقديم الخدمات العامة،نلاحظ تزايد الاحتجاجات الفئوية التي تطالب بالحقوق، ويرافقها في بعض الأحيانتعطيل للمصالح وإهدار للطاقات.

إن مثل هذه المفارقات تحتاج إلى أن تتوجه إليها جهود المثقفين والمفكرينوالعلماء والباحثين، وبخاصّة أهل الاختصاص والخبرة في فقه السياسة والإعلاموالقانون والإدارة، وفي دراسات تدبير الخلاف والتغيير النفسي والاجتماعي.

إن مجتمعاتنا العربية والإسلامية في أمسِّ الحاجة إلى الدراسات الرصينةوالبحوث المتعمقة، التي تقوم عليها فرق بحثية تحت مظلة مؤسسات ومراكز بحثية متخصصةقادرة على أن تقدم الفهم العميق للمشكلات وأسبابها، وسبل المعالجات ومتطلباتها. إنصناع القرار في كثير من الأحيان حتى لو توفر فيهم الإخلاص في القيام بواجباتهم،ليس لديهم الوقت ولا الخبرة التي يستعينون بها في إدارة الأمور في فترات التحولالاجتماعي، وإن الاستشارات التي يقدمها المستشارون في الدوائر الرسمية، يكون هدفهاالمعالجات الفورية التي لا تتناول فهم الظروف والعوامل المحيطة بالمشكلات الطارئة،بل تتجه إلى تسويغ صور الواقع والدفاع عنه، وكيفية المرور من العاصفة، وربماالتخفيف من آثار الحرائق المشتعلة، وليس البحث عن أسبابها الكامنة في نظم الإدارةودخائل النفوس!

أضف تعليق


كود امني
تحديث

أخر الاصدارات

البث الحي

ALBAT AL HAY