18 آب/أغسطس 2018
RSS Facebook Twitter youtube 16
قيم هذه المقالة
(0 أصوات)

حاجة الأمة إلى القيادة العلمية والفكرية

 

د. فتحي ملكاوي

         تحتاج الأمةالإسلامية في واقعها المعاصر إلى تجديد القدرة على الاجتهاد والإبداعالفكري والعلمي في جميع المجالات، وهذه الحاجة ليست وليدة العصر، نتيجة ما لهذاالعصر من خصائص ومستجدات، بل إن هذه الحاجة قائمة مستمرة عبر الزمان. وتقوم بهذهالمهمة في كل الأمم قيادات علمية وفكرية متخصصة، وهذه القيادات هي تسد حاجة الأمةإلى ما تحتاج إليه لمواجهة المستجدات، وهي كذلك التي تمنح الأمة القدرة على بناءهويتها المتميزة، وتمكِّنها من الإسهام في القيادة العلمية والفكرية في العالم.

عندما نتحدث عن العلم في مجالات التخصصالمختلفة، فإننا نتحدث عن علوم البشر؛ أي العلوم التي يكسبها الناس من مصادرهاوبأدواتها. وهذه العلوم كلُّها هي نتاج الإدراك والفكر البشري، سواءً كان مصدرهاالوحي الإلهي والهدي النبوي المستمد منه، أو كان مصدرها العالَم المادي الطبيعي أوالعالم الاجتماعي أو العالم النفسي. وسواءً حصل هذا العلم للإنسان بتعامله المباشرأو غير المباشر مع النصوص والأشياء والأحداث والظواهر، أو عن طريق النظر والتفكرالعقلي، أو المشاهدة الحسية والتجربة العملية.

لذلك فإنّ العلوم -عند الإنسان- كلهاهي فكر إنساني. لكن هذا الفكر حصل على قدر من التنظيم والتدقيق والتحرير والاختبارإلى الحد الذي أوصله إلى القدر المناسب من القبول عند الجماعات العلمية المتخصصةفي كل علم، نظراً لأنَّ هذه الجماعات/القيادات العلمية هي المرجعية في تحديد مايدخل في العلم وما لا يدخل فيه.

أما الفكر فنقصد به في مقامنا هذانوعاً من الإدراك والفهم الذي ينطلق من قدرة الإنسان على استيعاب العلم وتجاوزه؛أي الخروج من تفاصيله الجزئية إلى رؤيته الكلية، التي تتيح للإنسان معرفة حدودالعلم وإمكانيات توظيفه؛ متى يوظف العلم؟ ولماذا يوظفه؟ وكيف يوظفه؟ إلخ. وينظرالفكر في خارج حدود العلم ليستشرف الآفاق التي يلزم أن يتسع إليها هذا العلم،وربما يطرح أسئلة جديدة، تقتضي -من جمله ما تقتضيه- نقد العلم، والكشف عن قصوره،وإضافة الجديد في مفرداته، من أجل الإجابة عن تلك الأسئلة. وهذا يخرجنا من موضوعالعلم ويدخلنا في منهج العلم، فإذا كان العلم يتحدد بموضوعه ومنهجه، فالفكر أقربإلى المنهج منه إلى الموضوع.

  1. القيادة الفكرية للأمة:

الأمةالإسلامية حاملة الرسالة الإلهية الخاتمة، ووريثة القيادة النبوية الراشدة، ومصادرهذه الرسالة محفوظة لم يطرأ عليها التحريف والتبديل، والله سبحانه قد كلّف هذهالأمة أن تتسنم مهمة القيادة الفكرية للأمم الأخرى، فكانت بأمر الله في موقعالشهادة على الناس، تقدّم لهم الهداية وتكون لهم أسوة وقدوة في اتباع الهدى وبذلهوتعليمه. وقد أدت الأمة هذه المهمة بكفاءة لم تقدمها من قبل أمة أخرى من أتباعالانبياء السابقين، فأقامت مجتمع الهدى والخير والعدل، وكانت قبلة العلم والتقدم،يأتي إلى مؤسساتها ومعاهدها الراغبون في التعلم فينهلوا منها العلم في مجالاتهالمختلفة، والقيم في مستوياتها المتعددة، وأنماط السلوك الحضاري في صور الإدارةوالتنظيم وأصول التعامل الاجتماعي.

  1. قيادات فكرية متخصصة:

وقد تميزت منداخل الأمة المسلمة قيادات متخصصة في كل مجال من مجالات القيادة، كان أبرزها مجالالعلوم والمعارف والأفكار. ففي وقت مبكر ظهر الحرص على حفظ تراث النبوة، وذلكبتدوين الحديث النبوي الشريف، والسيرة النبوية، ونبغت في ذلك قيادات من الحفاظ والرواةوالمدونين والمحققين والمدققين، وتشكلت من ذلك علوم لم تعرفها الأمم السابقة منهاعلوم الرواية والدراية ومصطلح الحديث، والجرح والتعديل، والعلل. ودونت هذه العلوم،وأصبحت كتبها أصولاً ومراجع ومصادر، لكل ما جاء بعدها من تطور ونبوغ.

وأصبح علماءالحديث قيادة فكرية لمدرسة من مدارس الفكر الإسلامي، تميز فيها علماء كبار. وقد عَرَفالقرنُ الهجري الثاني بدايةَ التدوين الرسمي، ولعلّ أولّ الرواة المدونين محمد بنمسلم الزهري، ثم ابن جريج، وابن إسحاق، ومالك بن أنس، وحماد، والثوري، والأوزاعي.وما أن حلّ القرنُ الثالث الهجري حتى انتشر التدوين وفق مبادئ معلومة في التوثيقوالتصنيف، فصنف الإمام أحمد بن حنبل مسنده، وصنف اسحق بن راهوية مسنداً آخر، ثم كُتبصحيحُ البخاري وصحيحُ مسلم، وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجة وأبي دواد.

ومثل ذلك يقالعن قيادات فكرية أخرى تميزت في أبواب تصنيف الأحكام الفقهية الشرعية، وضمن مناهجمحددة، فعرفت المدرسة الفقهية قيادت فذة في علوم الفقه منها أئمة المذاهب الأربعةمالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد، التي يتبعها مئات الملايين من المسلمين حتى هذااليوم.

والأمر نفسهيقال حول مدارس التفسير، والعقيدة، والكلام، والتصوف، وغير ذلك من المجالات التيعرف في كل منها قيادات فكرية توزعت طوائف الأمة على اتباعها.

ولم يقتصرتشكل القيادات الفكرية على العلوم الدينية المشار إليها، بل ظهرت كذلك قيادات فيعلوم  الطب، والفلك والبصريات والكيمياءوالفلاحة، وغير ذلك. وممن عرف في الطب مثلاً زينت طبيبة بني أود، والشيخ الرئيسابن سينا صاحب كتاب القانون في الطب، وأبو بكر الرازي صاحب كتاب الحاوي في الطب،وأبو القاسم الزهراوي صاحب كتاب علم الجراحة المسمى التصريف لمن عجز عن التأليف،وغير ذلك كثير. وفي كل علم من العلوم الطبيعية الأخرى قائمة طويلة من أسماءالقيادات العلمية، لا يسمح المجال بالتوسع في ذكرها.

3. المؤسسات والقيادة الفكرية

وكان المسجدفي بداية الأمر هو المؤسسة التي تنمو فيها كفاءات العلماء وخبراتهم، واتسعت مهامالمسجد ليكون أشبه بالجامعات المعاصرة، فكان جامع الزيتونة في تونس، الذي يعدهالمؤرخون أول جامعة في العالم الإسلامي من حيث تاريخ إنشائها حيث بدأ العمل فيبنائه عام (79ﻫ-716م)، وبني من بداية الأمر ليكون معهداً علمياً إضافة إلى كونهمكاناً للعبادة، وجامع القرويين في فاس الذي بدأ العمل في بنائه عام (245ﻫ-859م)الذي يعد أول جامعة في العالم تمنح شهادات عالية في علوم متخصصة، والجامع الأزهرفي مصر الذي بدأ العمل في بنائه عام (359ﻫ-970م)، ويعد أقدم جامعة في العالماستمرت في تقديم العلوم حتى الآن دون انقطاع. ومع ذلك فقد أنشأ المجتمع الإسلاميمؤسسات تعليمية متخصصة للتدريب والتبحر في مجالات العلوم المتخصصة، منها المراصدالفلكية، والمشافي الطبية البيمارستانيات، والمكتبات العامة لتخزين الكتب ونسخهاوترجمتها، مثل بيت الحكمة في بغداد ودار الحكمة في القاهرة.

4. النخب الفكرية أساس نهضة أوروبا

لقد عرفت أرووبا ما وصل إليهالتقدم في العالم الإسلامي منذ القرن السابع، لا سيما عن طريق الوفود الدبلوماسيةالتي كان ملوك أوروبا يرسلونها إلى بلاط الخلفاء المسلمين، وعن طريق الاتصالالمباشر في الأندلس وصيقلية، ثم في فترة الحروب الصليبية، فأخذوا الملوكالأوروبيون يرسلون وفوداً من المتعلمين لنقل الخبرة والثقافة والعلم، وأخذت طلائعالثقافة والعلم والفكر في أوروبا بالاطلاع على علوم المسلمين وأنماط حضارتهم، وحتىعلى قراءة المسلمين للفكر اليوناني القديم، فبدأت تتشكل في أوروبا اعتباراً منالقرن الثاني عشر الميلادي قيادات فكرية في مجالات العلوم المختلفة، وبدأت هذهالقيادات تشكل نخباً ومدارس فكرية ومؤسسات تعليمية حفلت بالراغبين في نقل حالةشعوبهم من التخلف الذي كان يسود أوروبا في جميع المجالات. وقد أسهم كل ذلك فيالنهوض والتقدم الأوروبي، وأخذت أوروبا في استخدام العلم والصناعة لبناء قوىعسكرية امتدت لاكتشاف العالم الجديد في أمريكا الشمالية والجنوبية، ثم احتلتالقارة الهندية، ثم استعمرت معظم أنحاء العالم. ثم جاء القرن العشرين لتواصلأوروبا وامتداداتها في أمريكا الشمالية تقدّمها في حضارة جديدة غير مسبوقة.

5. الإبداع الفردي أساس القيادة الفكرية

لقد كان كلعالم من هؤلاء العلماء  في التخصصاتالمختلفة يمثل في زمانه ومكانه قيادة فكرية، وكان أهل الاختصاص في كل علم يمثلوننخباً من القيادات الفكرية في كل تخصص، ومع ما للجماعة والمؤسسة والمجتمع بأكملهمن دور في تحديد موقع الفكر في قيادة المجتمع، فإننا لا نستطيع تجاهل دور الفرد فيالإبداع العلمي والفكري.

الفكر وفق هذا التحليل المبين أعلاهأقرب إلى الرؤى الإبداعية، التجديدية، أو الثورية، التي يصوغها المفكر الفرد فيالأساس[1]،سواءً كان ذلك اجتهاداً فردياً منه، أو صياغةً لنتيجة الحوار والنقاش والبحث معآخرين. وربما تتوالى الأفكار في حقل علمي محدد وتصبح هوامشَ على حدود ذلك الحقلالعلمي، ما تلبث أن تصبح جزءاً من بنية العلم، عندما تقبلها الجماعة العلميةالمتخصصة، وتعتمدها عنصراً أساسياً في تلك البنية. فمنهج العلم هنا ولّد أفكاراًأصبحت فيما بعد جزءاً من موضوع العلم. ومع ذلك يبقى المجال مفتوحاً لحركة النمووالتطوير والمراجعة في كل علم، كلما أعمل عالِمٌ فكرَه، وولدّ الجديد من الفكرالعلمي في تخصصه.

لكن الإنجاز في الفكر البشري لا يقتصرعلى مجال واحد مجالات العلوم المتخصصة المعروفة intra-disciplinary، فقد يختص موضوع الفكربمسألة تقع فيما بين تخصصين أو أكثر وتسمى موضوعات بَيْنِيَّة التخصص interdisciplinary، أو عندما يُعرضموضوعٌ في علم محدد من وجهة نظر عالِم متخصص في علم آخر، تكون الرؤية إلى الموضوع رؤيةً عابرة للتخصصاتcross-disciplinary . وقد يلزم للإبداع في موضوع محدد اشتراك عالمين أو أكثر للعمل معاً،كل في تخصصه، ويكون الموضوع عندها متعدد التخصصات multi-disciplinary، وأخيراً ثمة موضوعات تحتاج إلى توحيدالإطار المرجعي الفكري فيها خارج الأطر التقليدية للتخصصات، وتقع هذه الموضوعاتعندها فيما يعد موضوعات ما وراء التخصص trans-disciplinary.

وفي كثير من الحالات لا يصنف الإبداعالفكري في مجال علمي متخصص، وإنما يصنف في مجال من مجالا الفنون.

وإذا كان العلم يهتم بالموضوع من حيثهو وينشغل في بيان عناصره وجزئياته وتنظيم ما يتوافر عنه من معلومات ومعارفتفصيلية، فإن اهتمام الفكر ينصب على علاقة الموضوع بالواقع وسبل معالجة الموضوع منأجل تحسين الواقع. وإذا كان العلماء يقدمون المعرفة المتخصصة حول موضوع المشكلةالقائمة في الواقع، فإن المفكرين أقرب إلى تصور الحلول الممكنة  لإصلاح ذلك الواقع، فهم أقرب إلى تحديد مشكلاتالواقع أو توقع حصول هذه المشكلات وتحديد المعرفة اللازمة لمعالجتها حين تقع أوتجنب الوقوع فيها. لذلك فإن القيادات الفكرية على غاية الأهمية. ولا سيما في فتراتالتحول التي تمر بها المجتمعات الإنسانية.

 



[1] ألاترى أن جوائز الإبداع والاختراع العلمي تعطى للفرد أو لعدد قليل من الأفراد! فقدأعطيت جائزة نوبل في الكيمياء مثلاً منذ البدء في منحها 1901حتى هذا العام 2012مأي في مدة 112 سنة على الوجه الآتي: 63 مرة لعالم منفرد، و23 مرة لاثنين منالعلماء، وفي 18 مرة لثلاثة علماء، وحجبت في 8 مرات. وحتى في الحالات التي كانتتعطي لاثنين أو ثلاثة فإن الجائزة لم تكن بالضرورة لعمل مشترك بينهم وإنمالاستحقاق كل عالم للجائزة، فتقسم الجائزة على المستحقين. انظر ملحق جائزة نوبل فيالكيمياء في الرابط:

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D9%84%D8%AD%D9%82:%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%B2%D8%A9_%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%84_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%8A%D9%85%D9%8A%D8%A7%D8%A1

-   أما في الآداب فقدمنحت الجائزة في 101 مرة لفائز منفرد، و4 مرات لفائزين اثنين، وحجبت الجائرة فيسبع مرات. انظر الرابط:

http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D9%84%D8%AD%D9%82:%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%B2%D8%A9_%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%84_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8

 

مزيد من المواضيع في هد القسم : فقه الانتماء إلى المجتمع والأمة »

أضف تعليق


كود امني
تحديث

أخر الاصدارات

البث الحي

ALBAT AL HAY