20 تشرين1/أكتوير 2018
RSS Facebook Twitter youtube 16
قيم هذه المقالة
(0 أصوات)

اللغة الإنجليزية مادة اختيارية

د. عبد الحميد أبو سليمان[1]

 

       في لقاء مع أحد الإخوة في مجلس الشورى دار بيننا حديث تطرق إلى التعليم وسبل العمل على ترقيته، ولأن موضع النظر في مناهج التعليم، تنظره في الوقت الحاضر إحدى لجان المجلس، فقد عادت بي الذاكرة إلى ظرف معادل حين طلب إلي ضمن مَنْ إليهم الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ – عليه رحمة الله – أن أكتب إليه بمرئياتي في إصلاح التعليم، وكتبت إليه في ذلك باقتراحات تتناول ثلاث قضايا لم يتمكن رحمه الله أن يتعامل معها؛ لأنه تم انتقاله من وزارة المعارف إلى وزارة التعليم العالي بعد شهر واحد من تقديم تلك المقترحات إليه، ولعل ذلك كان عام 1398 هـ / 1976 م.

      لقد وجدت الظرف ملائماً لكتابة هذه المقترحات مجدداً لعل في وضعها أمام القارئ وأمام مجلس الشورى شيئاً من الفائدة يعين على إصلاح التعليم في بلادنا، ويعمل على دفع عجلة العمل والإصلاح والإسهام في وضع حد لمعاناة الأمة حتى تستعيد قدرتها وريادتها الحضارية بإذن الله.

       وأول هذه الاقتراحات هو إلغاء اللغة الإنجليزية كمادة إجبارية في التعليم العام وجعلها مادة اختيارية، وسبب هذا الاقتراح هو الظروف الخاصة بالبيئة العربية بشكل عام وفي جزيرة العرب بشكل خاص من ناحية، وبسبب الحاجات والأولويات التي يجب مراعاتها في تحقيق أكبر عائد علمي وفكري من العملية التربوية والتعليمية وما ينفق عليها من مال. فمن الملاحظ أن متطلبات التعليم والثقافة والتأهيل والمهارات المطلوبة لطفل عالم اليوم في ازدياد واتساع تحتم نظرة فاحصة علمية في ترتيب الأولويات. وحين أوصي بأن تصبح اللغة الإنجليزية في بلادنا مادة اختيارية في التعليم العام فإنما أصدر هذا الرأي عن خبرة وتجربة ذاتية، وعن ممارسات العمل، وعن الرحلة والتعليم في عدد من البيئات والبلاد في المشرق والمغرب، ومن احتكاك مباشر مع الصغار في بلادنا، ممن أجادوا اللغة الإنجليزية، وممن أضاعوا جهودهم على غير طائل في تعلمها. فالبيئة العربية بحضارتها وتاريخها وإرثها اللغوي، وامتدادها السكاني والجغرافي، وتجانسها اللغوي الذي لا يوجد معه تجمعات لغوية متباينة تتوزعها لغات مختلفة، ولوفرة إمكاناتها المادية، كل ذلك لا يسمح لأن تصبح اللغة الإنجليزية لغة تعامل وتواصل حياتي في حياة أبناء الأمة العربية، كما يحدث في بعض البلاد التي تتوزعها شعوبها لغات متعددة متنافسة كالهند أو نيجيريا أو حتى ماليزيا التي تتوزعها شعوبُ المالي، والصينيون، والهنود.

    إن وضع الأمة العربية والجزيرة العربية يدل على أن العربي أكثر انتماء وتمسكاً بلغته القومية واستعمالها في ممارساته الحياتية من شعوب متقدمة كبرى، ومنها اليابان وفرنسا وروسيا وألمانيا والصين وغيرها؛ لذلك فإن من سيستعمل اللغة الإنجليزية بشكل فعَّال ومنتج هم فئة قليلة محدودة لا تتجاوز الواحدَ في المئة من جمهور الأمة وخريجي مدارس التعليم العام، وهي الفئة العلمية، والدبلوماسيون، وكبار رجال الأعمال ومساعدوهم في علاقاتهم الخارجية. وبالطبع لا يعنينا في هذا المقام القلة التي تسرح في شوارع أوروبا وأمريكا بحثاً عن الترفيه والمتع، ويكفيها لتحقيق أغراضها حفنة من الألفاظ والمصطلحات والتراكيب يمكنهم اكتسابها من شرائط تعليم اللغة في أسبوع ومما يلتقطونه من أفواه الناس وأحاديث تجار السياحة.

     ومعنى هذا أن 99% ممن أمضوا السنوات الطوال في تعلُم اللغة الإنجليزية لن يستعملوها على الحقيقة أصلاً في حياتهم؛ بل إنهم في الحقيقة ينسونها، ولا قيمة في هذا المجال للقلة السياحية التي ليس لاستعمالهم لها أية قيمة إنتاجية.

     فإذا أخذنا في الاعتبار أهمية وقت التلميذ، والأولويات التي يجب أن تقدم له، وإذا أخذنا في الاعتبار ما تعانيه مدارسنا من وجوه التقصير والحاجة الماسة إلى استخدام كل قرش يصرف على التعليم العام على أفضل الأوجه، وتوفير أكبر قدر ممكن من الوقت للدراسة والنشاطات المفيدة والمنتجة، لذلك يكون من المفيد جعل مادة اللغة الإنجليزية مادة اختيارية للأسر التي ترغب في تعليم أطفالها اللغة، ويتوافر لهم المناخ والتعامل الجدي معها، وبذلك نوفر جيشاً من المعلمين الذين يضيعون أوقاتهم وأوقات جُلِّ الطلاب فيما لا يرغبون فيه ولا يفيدون منه.

     مادة اللغة الإنجليزية حين تكون اختيارية يمكن لكل الطلاب الذين يرغبون في تعلمها، ويدركون ويدرك أولياء أمورهم فائدتها، سوف يتوافر لهم المناخ الجاد والإمكانات المتميزة لكي يجيدوا التحصيل، وتصبح اللغة لديهم بمنزلة لغة أولى تعينهم على الإفادة منها، وحسن التحصيل فيها، والإبداع من خلالها.

      ومن الناحية الأخرى يستطيع المدرسون في الفصول الاختيارية أن يأخذوا طلابهم مأخذ الجد، فلا يبقى في فصولهم إلا الطلاب الجادون المنتجون، واستبعاد الطلاب الذين لا يدركون ولا يدرك أولياء أمورهم أهمية تعلم اللغات الأجنبية، ويأخذون دراستهم مأخذ العبث وضياع الوقت، واستبعاد الطلاب الضعفاء كافة غير القادرين على فهم اللغة الأجنبية وهضمها، وإسقاطهم من هذه الفصول، وهو غير ما يحدث حين تكون المادة إجبارية حيث يتم إنجاحهم بغض النظر عن تحصيلهم؛ لنصل إلى ما نشاهده اليوم من ضحالة وتفاهة معرفة جُلِّ الطلبة بهذه اللغة؛ حيث إن جلَّهم يمكنه أن يحصل في عدة أسابيع حين يدرسها بجد ورغبة في التحصيل أضعاف ما يحصله في هذه المدارس في عدة سنين، وذلك عندما يتطلع الطالب لإعداد نفسه للتحصيل والدراسة فيها.

      والسؤال المحير كيف للأمة العربية أن تدرك ركب العلم والحضارة، وتتبوأ مكانها اللائق بها فيه؟ وأين موقع تعلم اللغات الأجنبية عامة واللغة الإنجليزية منها بشكل خاص؟ وما هو المطلوب لتحقيق التعامل الفعَّال معها والذي يساعدنا في الإجابة عن التحدي العلمي التقني الحضاري الذي مازلنا عاجزين عن التصدي الفعَّال له لأكثر من فرنين حتى اليوم؟

      وللإجابة عن ذلك فإن التصدي للتحدي العلمي التقني له أوجه كثيرة ليس هنا مقام الحديث عنها، ولكنني أكتفي بالحديث في هذا المجال عن الجانب اللغوي وحده دون سواه. فمن المعلوم أن الإبداع الفكري لا يكون إلا باللغة الأولى، ولذلك فإن أية إجابة عن التحدي العلمي والتقني والحضاري لابد من أن يتم من خلال تلقي المعارف والعلوم والتقنيات باللغة الأولى، وهي هنا اللغة العربية، وبمشاركة الأمة وغنى لغتها في هذه المجالات تنمو القدرات الإبداعية، وإن أي عزل للأمة وثقافتها وأدبياتها عن مواكبة الركب الحضاري في هذه المجالات، وحصر المعارف والقدرات فيها على صفوة تدخلها بشكل عام من باب اللغة الثانية (الإنجليزية في المشرق العربي) كما هو الحال في صفوتنا العلمية الجامعية، فإن مثل هذه الأمة لن تحقق مرحلة الإبداع، ويبقى مكتوباً عليها المتابعة والتقليد والتخلف.

     والحل الصحيح وغير المكلف لا يكمن في تعليم كل أبناء الأمة اللغة الإنجليزية، ولكن في إثراء اللغة الأولى، وهي اللغة العربية، ووصل شرايينها بنتاج الحضارة الإنسانية في مجالات العلم والمعرفة بشكل اقتصادي فعَّال.

      من المهم أن ندرك أن مؤسساتنا العلمية وأداءنا الثقافي لم تحالفه قدرة الأداء والإبداع في مجال العلوم الاجتماعية التي ندرسها بالعربية؛ لأن الترجمات العلمية لم تدعمها، وبنفس القدر لم تحالفنا قدرة الأداء في مجال العلوم الفيزيائية والتقنية التي ندرسها باللغة الإنجليزية لأننا دَرَسْناها وتلقيناها باللغات الثانية الأجنبية.

      إن غنى الثقافة وغنى مثقفي الأمة معرفياً، وتحقيق قدرة الهضم والإبداع، لن تتم إلا إذا كان التعليم والتحصيل باللغة العربية اللغة الأم الأولى، وإلا إذا دُعِّمَت اللغة العربية بترجمة كل ما يجد من علوم ومعارف في الحضارة العالمية.

 

[1]- صحيفة الوطن السعودية نشرت هذا الموضوع في العدد 475 وتاريخ 3/11/1422هـ الموافق لـ 17/1/2002م

 

أضف تعليق


كود امني
تحديث

أخر الاصدارات

البث الحي

ALBAT AL HAY